.
.
.
.

تدريب الخريجين.. مسؤولية من؟

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

نشرت صحيفة "الشرق الأوسط"، 16 سبتمبر الجاري، مقالاً للزميل وائل مهدي، بعنوان "السبب في البطالة.. الجامعات"، تناول فيه عدة نقاط تتعلق بالدراسة في الجامعات، وعلاقتها بسوق العمل، ومستويات البطالة، والتدريب واكتساب المهارات لدى الخريجين، معتبراً أن "غالبية الخريجين الذين يتخرجون من الجامعات المحلية لدينا ليست لديهم أي مهارات يحتاج إليها سوق العمل، والعيب هنا ليس في الخريجين، بل في الجامعات".

وجهة النظر التي طرحها مهدي، تساجل طبيعة التعليم الذي يتلقاه الطلبة الجامعيون، وهو في أغلبه قائم على الدراسات النظرية، وحتى تلك التطبيقية منها، لا يكتسب فيها الطالب مهارات ذات جودة عالية، لأنها في العديد من المقررات الدراسية، تكون رافدة للمتون النظرية، أي أنها مكملة لها، وليست على ذات القدر من الأهمية، إلا إذا استثنينا بعض التخصصات المحدودة.

قبل أيام، كنت في حديث مع صديق قضى سنوات في الولايات المتحدة الأمريكية، أثناء دراسة زوجته مرحلة الدكتوراه، وجلس هنالك بمعية أبنائه، الذين لم تكن دراستهم تقتصر على فحص النظريات وتحليلها، بل هنالك مواد عملية يختار بينها الطلاب، وذلك من أجل اكتساب مهارات حياتية، يستفيدون منها في مسيرتهم المستقبلية.

الصديق الذي لديه ولدان درسا في الولايات المتحدة، يروي كيف أن ابنه "سعيد"، عندما عاد إلى السعودية، أسس له منجرته الخاصة المصغرة في المنزل، والتي تحتوي على أدوات حديثة، ويمارس فيها هوايته وفق اشتراطات السلامة التي تعلمها في بلاد "العم سام"، ومهارته في النجارة أنقذت الأب في أكثر من مناسبة، دون الحاجة لأن يصرف مزيداً من النقود في جلب عامل يقوم بالمهام المنزلية.

سعيد تعلم أيضاً "التصوير"، ودرسَ مواد أخرى، فيما أخاه "محمد" تدرب على "تحرير الفيديوهات وإنتاجها"، وهما لم يصلا الجامعة حينها!

هذه الأنشطة والمهارات لم تكن توكل إلى مدرسين غير متخصصين، يقومون بمجرد ملء الفراغ، كما يحدث في حصص "النشاط" بالمدارس السعودية، وإنما كان المعلمون خبراء في مجالاتهم: النجارة، الميكانيكا، التصوير، الإخراج.. وسواها.

يخبرني "أبو سعيد"، كيف أن ابنه رفقة الطلاب قاموا بتفكيك ماكينة سيارة، مسترشدين بالدليل المطبوع، وتحت إشراف مهندس مختص، وأعادوا تركيبها من جديد، بشكل احترافي.

إذن، رغم أن ما كتبه وائل مهدي في مقالته يصفُ الواقع في أغلب الكليات السعودية، إلا أن المشكلة سابقة على المرحلة الجامعية، وهي بالأساس ناتجة عن خلل في مناهج التعليم ذاتها، وأسلوب التدريس، والرؤية التي تقوم عليها العملية التعليمية كاملة، مما يجعل التلاميذ متفوقين نظريا، وإن بشكل نسبي، ولكنهم يفتقدون للمهارات، وتنقصهم المناهج التي تربط بين العلوم وتصل بعضها ببضع، وترفد تفكيرهم العملاني.

مهدي يعتقد أن "الحل هو بيد المواطن والمواطنة الذين بإمكانهم تنمية مهاراتهم لدرجة لا تسمح لأي أحد بغير قبولهم في العمل، أو تسمح لهم بفتح عمل حر ومشاريع صغيرة تكفيهم الحاجة لكل أولئك البيروقراطيين خلف المكاتب".

التدريب الذاتي أمرٌ ضروري جداً، لكنه قد لا يتأتى للجميع، إما لقلة الدراسة، أو عدم معرفة مراكز التدريب الجيدة، أو غلاء عدد منها، أو محدودية مدخول بعض الأسر. إلا أن ما هو عملي، هو وضع "اكتساب المهارات" كأحد الأهداف الرئيسية العملية منذ المرحلة الابتدائية، بل منذ رياض الأطفال، بما يتناسب وكل فئة عمرية.

المدارس بحاجة لهيكلة جديدة، وجهدٍ يستفيد من تجارب الدول المتقدمة علمياً، وليس مجرد البحث عن تسجيل الأرقام، والتقدم في ترتيب القوائم عبر إصلاحات نظرية؛ فالأهم أن ينعكس هذا التغيير والتحديث على الطلاب بالدرجة الأولى، والمخرجات التي ترفد سوق العمل بالمهارات والكفاءات القادرة على المنافسة والتطور.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.