.
.
.
.

الاحتفال الحقيقي باليوم الوطني

وائل مهدي

نشر في: آخر تحديث:

إن مفهوم الأعياد الوطنية هو مفهوم حديث نشأ مع تفكك الإمبراطوريات وقيام الدول الحديثة والتخلص من الاستعمار واستقلالية الشعوب. ولهذا كل الشعوب تحتفل بيوم يعبر عن قدرة هذه الشعوب على بناء دولة حديثة.
السعودية إحدى هذه الدول، ويعبر يومها الوطني عن قدرة قائد عظيم أمضى 30 عاماً في حروب مضنية لتوحيد بلد مترامي الأطراف وقبائل متعددة في هوية واحدة. في ذلك الوقت كانت القبائل لا ترى المستقبل ولا تريد الانصياع لدولة حديثة ونظام مركزي. ولكن كل هذه القبائل اليوم تدين بالفضل لذلك القائد وتلك الحروب التي حوّلت الإنسان في جزيرة العرب إلى إنسان معاصر يمتلك كل المقومات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لكي يعيش حياة رغدة.
لكن لماذا يتوقف مفهوم الوطنية عند الاستقلال السياسي؟ إن الوطنية تشمل كل نواحي الحياة وعلى رأسها الاستقلال الاقتصادي، والسؤال هنا من ماذا سوف نستقل اقتصادياً؟ يجب أن نستقل من نظام قديم لم يعد يناسب تطورات الحياة، نظام كان قائماً على ضعف الإنتاجية للفرد والاعتماد على مصدر واحد للدخل وهو النفط، ومحدودية الدخول في الأعمال التجارية والتركيز على العمل الوظيفي.
لقد بدأت الحكومة الحالية في مخطط كبير لتحويل الاقتصاد ومعالجة الأخطاء القديمة في النظام الاقتصادي القديم. وبالطبع واجه هذا المخطط نفس الرفض الذي واجهه الموحد الملك عبد العزيز، عندما كانت لديه رؤية لبناء أمة وبلد عصري. الإنسان هو الإنسان لا يريد التغيير ويخاف من الجديد، ولكن في حركة التاريخ التقدمية فإن القديم الذي لا يجدد نفسه يصبح الموت له أمراً محتوماً.
وحتى لا يموت اقتصاد المملكة مستقبلاً كان لا بد له من التحديث، وحتى أكون صريحاً في كلامي فإنني كنت من الأشخاص المعارضين لهذا التحديث، كثير من الإصلاحات لأنني كنت أعيش حياة قائمة على الدعم ولا أحد يطالبني بأي إنتاجية أو مساهمة عالية في الاقتصاد. إلا أنني اليوم مؤمن بهذا التحديث لأنني أرى نتائجه على أرض الواقع.
لقد أصبح الفرد أكثر إنتاجية ليس بسبب حبه لهذا، ولكن بسبب الضغط الهائل على الجهات التابعة للدولة لتحقيق مستهدفاتها السنوية. وأصبحت كل إجراءات الدولة إلكترونية مما زاد كفاءتها على السابق. وأصبحت نسبة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد متزايدة مع العدالة والنزاهة والشفافية في العقود والمناقصات. وعندما تعرضنا إلى هزة فيروس كورونا العام الماضي التي أضعفت كل العالم تمكنا من تجاوزها بسبب مرونة الاقتصاد الجديد، وعاد اقتصادنا للنمو بشكل كبير هذا العام بفضل القطاع غير النفطي.
لقد قطعت المملكة شوطاً كبيراً لبناء كيان سياسي، وها هي الآن تسعى لبناء كيان اقتصادي حديث. للأسف هذه الجملة تكررت في أعوام سابقة وحقب زمنية بطريقة أضعفت قيمتها عندما لم يتم استخدامها بالشكل الأمثل.
بعيداً عن كل هذا، إن السعودية اليوم في حالة من الاستقرار والنمو كان من الصعب تخيلها قبل خمسة أعوام، ولهذا فإن الاحتفال الحقيقي باليوم الوطني يجب أن يشمل بناءنا الاقتصادي كذلك وهويتنا الاقتصادية الجديدة لمملكة غير نفطية، أتمنى أن أراها بعد عقد من الزمن، ومواطناً لا يعتمد على النفط لبناء مستقبله.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.