.
.
.
.

كيف ستتمكن طالبان من إدارة أفغانستان؟

د.عبد الله المدني

نشر في: آخر تحديث:

السؤال ليس كيف تستولي على السلطة في بلد ما، لكنه كيف ستدير هذا البلد بعد استيلائك على السلطة فيه؟ والشواهد التاريخية كلها تقول: إن الجماعات التي نجحت في الوصول إلى السلطة دون أن تملك برنامجا أو رؤية، دعك من امتلاكها خبرة متراكمة في أمور السياسة والاقتصاد والإدارة، انتهت إلى فشل ذريع. وبعبارة أخرى ليس مهما أن تستولي على القصر الرئاسي ودار الإذاعة ومحطة التلفزيون ومرافق البلاد الحساسة كي تعد نفسك منتصرا، وإنما انتصارك الحقيقي يكمن في نجاحك ومقدرتك على إدارة البلاد وتحقيق قدر من الأمن والاستقرار والرخاء المعيشي لمواطنيك.
فإذا كانت جماعة مثل "الإخوان المسلمين" فشلت في إدارة كل الدول التي وصلت فيها إلى الحكم بدءا من السودان ومصر وانتهاء بتونس والمغرب، وهي الجماعة صاحبة التاريخ الطويل في العمل السياسي والمراوغة والتحايل والخبث، فما بالك بحركة طالبان التي لم تظهر على الساحة إلا عام 1996 وعاش زعماؤها من أنصاف المتعلمين وعديمي الخبرة في الكهوف ملتحفين بأغطية تحريمات ما أنزل الله بها من سلطان؟.
نقول هذا على ضوء العقبات التي تواجه طالبان في أعقاب عودتها إلى السلطة في كابل أخيرا بعيد الانسحاب الأمريكي الفوضوي من الأرض الأفغانية. وهذه العقبات كبيرة ومتنوعة ومتداخلة، ما يشكل تحديا للحكومة الطالبانية التي تشكلت بعد مخاض عسير وتأجيل أكثر من مرة من وزراء لا يمتلكون من المؤهلات العصرية شروى نقير. ولسنا بحاجة في هذا السياق إلى التذكير أن حكومة طالبان القديمة التي تولت السلطة في كابل في الفترة ما بين 1996 ــ 2001 فشلت فشلا ذريعا ليس في سياساتها الداخلية فحسب، بل في سياساتها الخارجية أيضا، حيث لم تجد من يترحم عليها وقت سقوطها.
لقد ظهرت التحديات التي يواجهها النظام الطالباني الجديد مبكرا عندما فشل الحكم في كسب ولاء عديد من الأعراق والأطياف الأفغانية التي شعرت على الأقل بشيء من الأمان في ظل الحكم السابق، وهو ما جعلها تخرج في مظاهرات ضد طالبان وأجنداتها المعروفة انتهت بالقمع. ثم رأينا كيف أن الحكومة الطالبانية الجديدة عجزت عن إدارة مطار كابل فراحت تطلب مساعدة بعض الدول الأجنبية في هذا المجال لنقص خبرة كوادرها الفنية والإدارية. وفي الأيام القليلة الماضية ظهرت تقارير حول عجزها، للأسباب ذاتها عن إدارة البنك المركزي الأفغاني وتأمين ضرورات الحياة للمواطنين، خصوصا في ظل تجميد أصولها المالية في الخارج وعدم حصولها على اعتراف دولي من أي جهة، الأمر الذي دفع الجهات الأممية إلى قرع أجراس الإنذار والقول: إن "انكماشا اقتصاديا حادا ينتظر أفغانستان قد يلقي بملايين الأفغان في براثن الجوع والفقر مجددا ويولد موجة جديدة من اللاجئين وبالتالي يعيد الأمور إلى الوراء لأجيال" طبقا لما صرحت به ديبورا ليونز ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة إلى أفغانستان خلال اجتماع لمجلس الأمن أخيرا. ومما قالته الممثلة الأممية أيضا: "إن سلطات طالبان لا تستطيع توفير سيولة كافية لدفع الرواتب ولا تستطيع وقف انخفاض العملة ومنع الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء". والمعروف أن هذا الوضع كان غائبا في ظل الحكومة الأفغانية السابقة التي كانت تتمتع باعتراف دولي واسع، وتحصل على أكثر من 75 في المائة من إنفاقها العام من الولايات المتحدة.
وفي ظل التنافس الأمريكي - الصيني وقفت بكين موقفا مؤيدا لطالبان بدعوتها عبر جينج شوانج نائب مندوبها في مجلس الأمن إلى ضرورة إفراج واشنطن سريعا عن أموال البنك المركزي الأفغاني المجمدة والبالغ مقدارها نحو تسعة مليارات دولار لمساعدة حركة طالبان على إدارة أفغانستان اقتصاديا، بينما شدد السفير الكندي السابق في كابل على ضرورة مراقبة الحركة أمميا لجهة طريقة إنفاقها أموال المساعدات التي تحصل عليها الآن ومستقبلا. كي لا يتم استخدامها في أمور لا تدخل في مصلحة المواطن الأفغاني.
ومن نافلة القول: إن التحديات التي أشرنا إليها تبدو في طريقها إلى الاستفحال على ضوء تفشي وباء كورونا بين المواطنين الأفغان، ودليلنا هو ما ذكرته كاني ويناراجا مديرة المكتب الإقليمي لآسيا والمحيط الهادئ في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في مؤتمر صحافي من أن 72 في المائة من الأفغان يعيش على دولار واحد في اليوم، وهذا الرقم سيرتفع إلى 80 في المائة بحلول منتصف العام المقبل، وذلك بسبب نضوب الدعم المالي الأجنبي وتفشي وباء كوفيد ـ 19.
وتتعدد السيناريوهات المعروضة أمام النظام الجديد في كابل للتغلب على مصاعبها المالية. أحد هذه السيناريوهات هو أن تلجأ حركة طالبان إلى تفاهمات وتنازلات مع دول الجوار كي تحصل منها على الأموال، غير أن مثل هذا السيناريو يصطدم بحقيقة أن كل جيران أفغانستان باستثناء الصين تعاني أزمات اقتصادية ونقصا في الأموال. أما السيناريو الآخر الذي تحدث عنه عديد من الخبراء والمراقبين، فهو لجوء الطالبانيين إلى زراعة الخشخاش وتصديره من أجل الحصول على موارد مالية، كما فعلوا على مدى أعوام طويلة لتمويل حركتهم ومدها بالسلاح وتجنيد المقاتلين والأنصار، وهذا السيناريو سيعمق مشكلاتها مع المجتمع الدولي بطبيعة الحال.

* نقلا عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.