.
.
.
.

اكتساب المهارات المهنية للخريجين

حسن المصطفى

نشر في: آخر تحديث:

تخرج ابن معلمٍ زميل لي من الثانوية العامة، يقول أحد الأصدقاء، مضيفاً: الصبيّ لم يحصل على قبول في أكثر من جامعة، لأن معدله لم يؤهله لمنافسة من هم أعلى مستوى منه، إلا أنه كان بإمكانه أن يدرس في إحدى الكليات الصناعية؛ سوى أن والده رفض، وأصر على تعليمه على نفقته الخاصة في جامعة أهلية، ليس لأن الابن لديه طموح ما أو رؤية لمستقبله الذي يود أن يكون عليه، وإنما للنظرة الدونية التي لدى أبيه تجاه التخصصات «المهنية»، والتي يعتبرها أقل شأناً من تلك الإدارية أو العلمية النظرية أو الهندسية والطبية!

ذات الصديق المُعلمِ يروي حكاية أحد طلابه في الثانوية العامة، والذي كان مولعاً بالأعمال اليدوية والحرفية، وكيف أنه توجه للعمل فيها، وتالياً افتتح مؤسسته الخاصة، وكبرَ عمله، وزاد دخله، وبنى منزلاً قبل أن يستطيع أن يحصل على مثيل له زملاء الدراسة الذين تخرجوا بمعدلات ممتازة، واشتغلوا في شركات صناعية كبرى أو بنوك محلية، بل سكن منزله قبل أستاذه الذي لا يزال يبني مسكنه الخاص حتى الساعة!

هنا نموذجان متناقضان؛ واحدٌ بثقافة ترى العمل «المهني» أقل درجة، ولا يليق بالعائلات المرموقة؛ وآخر، وجدَ أن الطريق إلى النجاح في الحياة هو عبر اغتنام الفرص واكتساب المهارات والانخراط في تنمية الشغف تجاه الأعمال المحببة.

هنالك مشكلة ثقافية - اجتماعية تنتشر في أوساط العديد من الأسر السعودية، وهي اعتقادهم أن الجامعات وحدها هي الطريق للنجاح ولحياة مستقرة ومستقبل آمن.

صحيح، العلم مهم لكي يستطيع الإنسان التفوق في حياته وتحقيق إنجازات كبرى، إنما الجامعات ليست وحدها أماكن التعلم، فهنالك سوق العمل، والمعاهد الصناعية والمهنية، والتجارب الحياتية، وهذه الأخيرة تمنح الفرد فرصة لتجريب علومه التي تدارسها، ولمعرفة مدى نجاعتها.

لا أحد ينكر حق أي خريج من الثانويات العامة في أن يحصل على فرصة الولوج إلى الأكاديميات التي تكسبه معارف تسهل عليه مسيرته المستقبلية. إنما الأهم أن يختار الخريج ما يناسب إمكاناته، ويلبي شغفه، دون أن يبقى حبيس أنماط كلاسيكية ضيقة.

أتذكر قديماً، كان في المنطقة الشرقية، وتحديداً مدينة القطيف، العديد من المواطنين ممن يشتغلون في السباكة، والكهرباء، والنجارة، وتصليح السيارات.. كما كان هنالك البناؤون والخياطون، والطباخون، بنسب متفاوتة؛ فلم تكن هنالك ثقافة تزدري الأعمال اليدوية.

كان البناء الماهرُ يُسمى «الأستاذ»، حيث يقود فريق العمل، ويشرف عليه، ويشاركهم حمل الصخور والمواد الثقيلة، وكان هؤلاء يكسبون قوت يومهم الذي أطعمَ أسراً وعلمَ أجيالاً، دون أن ينظر لهم بأنهم أقل شأناً أو منزلة.

تغير أنماط التفكير، وثقافة الوفرة المالية و»الطفرة»، جعلت الجميع يودُ الحصول على وظيفة مريحة تحت سقفٍ مبردٍ ومكتب مصقولٍ، وهو نمط التفكير الذي أضر كثيراً بسوق العمل، وآن الأوان لكي يتغير.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.