.
.
.
.

شعر الهايكو

د. فهد البكر

نشر في: آخر تحديث:

شَكْلٌ من الشِّعر وُلِد في بيئةٍ آسيويةٍ، ينحدر من سلالةٍ أدبيةٍ (يابانية)، يتكون من مقاطع كلمات (هاي - كاي - هو - كو)، وتشير معانيها إلى: المتعة، والتسلية، والمطلع، والكلمة، ويتجلى هذا اللون من الشعر من خلال شروط، أهمها: (تصوير اللحظة الحاضرة المنعزلة عن الماضي والمستقبل)، و(بساطة المشهد الموصوف)، و(اعتماد القصيدة على محاكاة الطّبيعة ووصف عناصرها)، و(استنادها على مقاطع صوتية في حدود سبعة عشرة مقطعاً)، وكان الشاعر الياباني (ماتسو باشو 1694م) رائداً في هذا النوع من الشعر عند اليابانيين، ثم امتد أثر شعره بعد ذلك إلى اليابانيين وغيرهم في أصقاع أخرى من العالم.

وقد بدت ملامح هذا اللون الشعري لاحقاً عند غير شاعر من الشعراء العالميين، ولا سيما في العصر الحديث، كما عند الشاعر الإنجليزي (تشامبرلين 1911م)، والشاعر الفرنسي (بول إيلوار 1952م)، والشاعر الأمريكي (عزرا باوند 1972م)، والشاعر السويدي (توماس ترانسترومر 2015م)، وغيرهم، وأصبحت قصائد (الهايكو) مع أمثال هؤلاء تشكّل مظهراً شعرياً حديثاً، ولوناً عصرياً جديداً، يضارع الأشكال الشعرية الأخرى، كـ(الإبيقراما) مثلاً، وقد يصبح هذا اللون فيما بعد متاخماً للأجناس، والأشكال الشعرية المعاصرة، كـ(شعرالتفعيلة)، و(النثيرة)، وغيرهما.

على أن (شعر الهايكو) ما زال محدوداً في الثقافة العربية، وما زال وليداً جديداً، وإن أرهص له بعض الشعراء العرب مبكراً، غير أننا شممنا بعض روائحه قديماً في الموشحات والأزجال الأندلسية، وبخاصة تلك المعتمدة على وصف الطبيعة، ولم تتجاوز سبعة عشر مقطعاً شعرياً، وهو ما يعني أن (شعر الهايكو) بخصائصه اليابانية ربما وُجِدت بعض آثاره سابقاً في أرض عربية، ومن فتّش في أشعار الأندلسيين لن يكلفه الأمر جهداً في الحصول على نماذج مشابهة لنصوص (الهايكو)، ومع ذلك فنحن مضطرون إلى الاعتراف بالسبق الياباني؛ نظراً لخصوصيته التي نشأ فيها.

وفي (كتاب الهايكو الياباني) الصادر عام (2016م) عَرْضٌ لكثير من النماذج التي توحي بداية نضوج هذا اللون الشعري، ويعد الياباني المعاصر (بانيا ناتسويشي) المولود عام (1955م) من أقطاب هذا الفن الشعري إبداعاً ونقداً، ومع ذلك فإن المتأثرين اليوم بهذا الطراز الشعري الجديد انقسموا في التعاطي معه إلى فريقين: فريق ملتزم بالقانون الأصلي الذي وضعه اليابانيون لـ(الهايكو)، إذ يرفضون خروج النص عن خصائصه الفنية المعروفة، وفريق ينزع إلى التجديد، ويرى إضافة بعض السمات، مع الاحتفاظ بالجانب المشهدي الذي هو روح (الهايكو)، وعصبه.

وقد حظي هذا النوع من الشعر عربياً باهتمام واسع، بدا جلياً في بعض المنصات الافتراضية، والجمعيات (الإلكترونية)، في فضاء (فيسبوك Facebook‎)، وظهرت في ضوء ذلك أسماء عربية معاصرة لا يمكن عدها، ولعل في كتاب (أنطولوجيا قصائد الهايكو العربية) الصادر عام (2019م)، ما يؤيد ذلك؛ حيث تضمن الكتاب مختارات شعرية لقصائد كثيرة من نوع (الهايكو) بلغت مئتين وتسعاً وأربعين شخصية عربية، رجالاً ونساءً، قاموا بمغامراتهم الشعرية وفقاً للقالب الياباني.

وبعيداً عما قد تحمله قصيدة (الهايكو) من نَفَسٍ ياباني، فقد تميزت بعض النماذج العربية بتوظيف جماليات هذا الأسلوب الجديد، ويمكن أن أستشهد -في وسطنا السعودي- بتجربة الشاعر عبدالله الأسمري الذي أصدر ديوانه (أناشيد مرتلة في رحاب الهايكو)، وقدّم بعض الأمسيات، والمحاضرات، والمقالات للتعريف بهذه (الموضة) الشعرية الطريفة.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.