.
.
.
.

معرض الكتاب

حمزة الطيار

نشر في: آخر تحديث:

أهمية الكتاب وفضله إنما تثبت له إذا كان محتواه ذا طابعٍ نافعٍ؛ بحيث يمكن أن يستفيد منه الناظر فائدة يجتلب بها مصلحة أو يدرأ مفسدة، والمصالح متنوعة إلى دينيةٍ ودنيويةٍ والمصالح الدنيوية كثيرة ومتنوعة، لكن لا تخرج عن دائرة الضروريات والحاجيات والتحسينيات؛ ولكي يكونَ التحسيني من قبيل المفيد لا بد أن يكون متضمناً معاني سامية ومنضبطاً بالضوابط الشرعية والنظامية..

جرت العادة بإقامة معرض الكتاب كل عام، وينتظره القارئ والدارس ومحب الكتب والمستثمر في بيع الكتب بكل لهفةٍ وشوقٍ؛ لما يوفره من فرصة سهولة الاطلاع على جديد المطبوعات الصادرة عن دور النشر السعودية وعدد كثير من دور النشر في الدول الأخرى، ولا تدخر الجهة المختصة الجهد في تنظيمه على أحسن وجه وأسلس طريق؛ فبهذا كان عرساً ثقافياً بالغ الأهمية، ولا يغني عنه ما استجدَّ من الإمكانات القيِّمة التي تتيح الشراء عن بعد؛ لأن زائر المعرض يمكنه قبل شراء الكتاب أن يتفحصه بنفسه وأن يتأكد من تلبيته لمتطلباته، سواء من ناحية جودة الطبعة أم من ناحية القيمة العلمية، ولا يتوفر له هذا لو اشتراه عبر مواقع شراء الكتب، ولي مع معرض الكتاب وقفات:

أولاً: الكتاب من أهم ما اتخذه الإنسان وسيلة لإيصال المعلومات إلى غيره، ولا يخفى أن الناس مروا في عصور عمرانهم للأرض بمراحل متنوعة في سبيل محاولات تناقل المعارف، وما زال تطوير وسائل ذلك ضالتهم المنشودة، والكتاب من أهمها وأبقاها وأكثرها تأثيراً، ومن أعظم نعم الله على عباده إلهامهم الكتابة بالقلم التي مكنتهم من تدوين الكتب؛ ولهذا امتن عليهم بذلك في أول سورة نزلت على نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)، وقد شهد الكتاب اهتماماً في وقتٍ باكرٍ من الحضارة الإسلامية حيث بادر الصحابة رضي الله عنهم بجمع القرآن الكريم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كتبوا المصحف، ثم بعد ذلك جاء دور تدوين السنة المطهرة فصنفت المصنفات والموطآت وغيرها، ولم تخمد جذوة تصنيف الكتب وتداولها في الأمة إلى يومنا هذا، وكان الكتاب محل حفاوة واهتمام عند علية المجتمع، ويكفي مثالاً لهذا ما ذكر في ترجمة الإمام مالك أن الخليفة هارون الرشيد شاوره في أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على ما فيه، فقال له مالك: "لا تفعل فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في الفروع وتفرقوا في البلدان وكلّ سنة مضت"، وقد كان الكتاب من أعظم الهدايا وأسناها، وكان الوراقة مهنة مربحة، وقد قال بعضهم:

هذا كتاب لو يباع بوزنه ... ذهباً لكان البائع المغبونا

أو ما من الخسران أني آخذ ... ذهباً ومُعطٍ لؤلؤاً مكنونا.

ثانياً: الكتاب حسب مضمونه فهو عبارةٌ عن ظرفٍ يكتسب حكمه من حكم مظروفه، ولا يتمارى العقلاء في فضل التصنيف وشرفه، لكن لا من حيث كونه رصفَ كلمات وتسويد الأوراق بالمداد، كلَّا وهيهات، فالفضائل أهم من أن تُناط بمجرد المظاهر والصور، بل الفضائل تدور حول المعاني السامية الكامنة في الشيء، وهي مختلفة حسب طبيعة الموصوف بها، فأهمية الكتاب وفضله إنما تثبت له إذا كان محتواه ذا طابعٍ نافعٍ؛ بحيث يمكن أن يستفيد منه الناظر فائدة يجتلب بها مصلحة أو يدرأ مفسدة، والمصالح متنوعة إلى دينيةٍ ودنيويةٍ والمصالح الدنيوية كثيرة ومتنوعة، لكن لا تخرج عن دائرة الضروريات والحاجيات والتحسينيات؛ ولكي يكونَ التحسيني من قبيل المفيد لا بد أن يكون متضمناً معاني سامية ومنضبطاً بالضوابط الشرعية والنظامية منسجماً مع الأخلاق وقيم المجتمع، ومن ألف كتابا أخلَّ فيه بهذه الأمور فلا يعترف له باندراجه تحت بند التكميليات.

ثالثاً: يجب تقيد المؤلف بالأنظمة المنظمة للنشر، وأن يقف عند حدود الدين الحنيف، وأن يراعي قيم المجتمع، فيمتنع عن نشر وطباعة وتسويق الكتاب المخالف، وقد تكون المخالفة التي تضمنها الكتاب المخالف احتواؤه على مخالفات عقدية وبدعية بما في ذلك ما صنف حسب منهج الجماعات الحزبية المروجة للإرهاب والتطرف، فمثل هذا التصنيف هدم وتخريب لا شيء فيه من معالم البناء والإفادة، وقد تكون المخالفة من جهة التصادم مع الأخلاق والاستهتار بقيم المجتمع وأعرافه، خصوصاً إذا كان ذلك بعناوين استفزازية تنافي الذوق العام، ويستغرب من صاحب مثل ذلك المكتوب أن يعرضه على الناس مجاناً؛ لما في ذلك من الاستخفاف بعقولهم، وعدم المبالاة بمشاعرهم، فما بالك إذا عرضه للبيع، فبأي منطقٍ يستسيغ أن يأخذ أموال الناس مقابل ما لا منفعة فيه البتة، وكذلك من الصور الخطيرة للكتاب المخالفة السرقات العلمية وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، وهذه جناية على المعرفة لو سكت عنها لكان ذلك فساداً عريضاً، وأنظمة دولتنا المملكة العربية السعودية واضحة في منع هذا الانتهاك الخطير، فكيف يتجاسر من سطا على الملكية الفكرية لغيره، فيعرض مسروقه في تجمّعٍ بحجم معرض الكتاب؟ وهل كان المقدم على السرقة العلمية أكثر سذاجة من اللصِّ العاديِّ الذي يهتدي إلى إخفاء سرقته؟!

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.