.
.
.
.

صناعة الفرح

حسين علي حسين

نشر في: آخر تحديث:

مرت ببلادنا سنوات طوال، كان فيها صوت أعداء الفرح، من أعلى الأصوات، وكان نفوذهم عالياً مقداماً، في الشوارع والمنازل ودور العلم والعمل، حتى أصبح من تنتابه موجة ضحك، يتعوذ من الشيطان، متوقعاً أن يعقب هذه الموجة شيء قد لا تحمد عقباه! وقد ساد خلال هذه المرحلة تقسيم المجتمع إلى مجتمعين؛ مجتمع رجالي كامل لم يكن ليتردد في الاستيلاء في بعض الأحيان على مهام حصرية للنساء، بحجة أنهم أدرى بها، ومجتمع نسائي محدود الإمكانيات مسلوب الصلاحيات، وقد انعكست هذه الحالة على عديد من المناشط الاجتماعية، فكانت في معارض الكتب أيام للرجال وأيام للنساء، وكان لبعض المنازل مداخل للرجال وأخرى للنساء، وكانت هناك أسواق نسائية، كما كان هناك اهتمام بإنشاء أقسام نسائية في العديد من المصالح الحكومية والخاصة، بما فيها الصحف! وكانت الضغوط في تلك المرحلة، لا تتوقف لمنع خلق وظائف لبناتنا وزوجاتنا في غير مدارس البنات وجهات محدودة؛ أعمالها لا تنجز إلا من قبل النساء، حتى عمل النساء في المستشفيات اكتسب سمعة سيئة، للحد الذي جعل بعض الآباء لا يؤيدون انخراط بناتهم في المعاهد والكليات الصحية، وكان إقبال الشباب على الاقتران بفتاة تخرجت من هذه الكليات أو المعاهد محدوداً، وقد يكون إن تم محفوفاً، من بعض فئات المجتمع بالتوجس، وكان إقبال الفتاة السعودية للدراسة في الكليات الصحية يحتاج إلى انفتاح منزلي؛ بل إن عديداً من الرجال والنساء، أصبحوا يتوجسون من الجلوس طلباً للعلاج، إلى طبيب أو طبيبة ليسوا من جنسهم؛ ولم يبدأ هذا التوجس الاجتماعي في الانحسار، إلا عندما بدأ برنامج الابتعاث المكثف، وبدأت كليات الطب في التخلي شيئاً فشيئاً، عن أساليب الفصل، التي لم يكن لها ما يبررها، لأن طواءها على عدم ثقة في أبنائنا وبناتنا، حالة مثل هذه حولت المجتمع إلى مجتمعين، مجتمع متزمت صارم، رافض للفرح والبهجة والترويح عن النفس؛ ومجتمع يؤمن بأن الحياة، بما فيها من مشاق، في العمل والتعمير والابتكار وطلب العلم والسعي على الأسرة؛ تحتاج إلى فاصل، يخصص للترفيه أو التقاط الأنفاس أو تنمية الخيال، عبر دور السينما، والمسارح، ومدن الملاهي الاجتماعية، التي تنمي خيال، ومهارات الأطفال، والمراهقين، والشباب، إضافة إلى المحافل الرياضية، والحدائق العامة؛ عمل بدون فرح وترويح عن النفس، والحمد لله أننا عشنا لنرى المواطن، يسلك سبل التغيير للأحسن والأجمل، في هذا الوطن الكبير، الذي عرف بتعدد أطيافه الاجتماعية، والتي تحوذ كل طائفة منها عادات وتقاليد وثقافات ومثلاً اجتماعية، ساهمت وتساهم في الارتقاء بالوطن والمواطن، في كافة صنوف الحياة، الاجتماعية والثقافية والعلمية والتجارية والصناعية والعمرانية، وفق أسس ونظم مرتبة مدروسة، أصبحت محط عناية واهتمام وإعجاب كل من يزور بلادنا، حاجاً أو معتمراً أو سائحاً أو عاملاً. موسم الرياض، الذي نشهد فعالياته المتنوعة الراقية في هذه الأيام، نموذج حي وحضاري، من نماذج البهجة والفرح؛ أهلاً بالفرح والعمل والابتكار.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.