.
.
.
.

السعودية الخضراء ومركز أبحاث العمران

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

إن مراكز أبحاث المدن لا تتوقف عند تأثير المكون الحضري على استهلاك الطاقة بل هي في الأساس تهتم بتشابك الظواهر العمرانية التي تعكس عمران المدينة من بنية تحتية وفوقية ومن ممارسات اجتماعية واقتصادية وترفيهية وثقافية. هذه التشابكات تحتاج إلى متابعة ورصد وتقييم وتطوير، وهذا لا يتأتى دون حضور البحث العلمي الرصين الذي يفترض أن يتجاوز الاجتهادات الشخصية ويركز على الأهداف الوطنية الكبرى..

ليعذرني القارئ العزيز لعودتي مرة أخرى، بل ربما لإلحاحي، على أهمية وجود مراكز لأبحاث العمران في المملكة، فهذا الإلحاح ليس وليد اليوم بل هو جزء من ذاكرتي المهنية والأكاديمية، فكلما تقاطعت مع دراسة حول مدينة ووجدت أن هذه الدراسة جزء من برنامج بحثي يقوم به مركز أبحاث متخصص في دراسة هذه المدينة من أبعادها المختلفة تذكرت كيف أننا ننفق مليارات الريالات سنوياً على إصلاح وترميم مدننا دون أن يكون لدينا خارطة طريق واضحة لتلك المدن. ربما نكون اعتقدنا في فترة من الفترات أن "المخططات الهيكلية" التي تم إنجازها في السابق تسد عن الدراسات العمرانية المستمرة، لكننا اكتشفنا أن هذه المخططات لم تساعدنا كثيراً على فهم تحولات المدينة وتعقيداتها ولم تساهم فعلاً في توجيه قراراتنا العمرانية بشكل سليم. في واقع الأمر أجدها فرصة سانحة الآن على وجه الخصوص مع مبادرة "السعودية الخضراء" أن يصاحب هذه المبادرة مركز لأبحاث العمران، حتى وإن كانت المبادرة تهتم بالطاقة المتجددة والبيئات الخالية من انبعاثات الكربون.

جزء أساسي من أبحاث العمران هو فهم البؤر العمرانية التي تحث على زيادة استهلاك الطاقة، وكثير من الدراسات حول العالم أثبتت أن البيئات السكنية أكثر مناطق المدينة المستهلكة للطاقة، وإذا ما أردنا أن نجعل السعودية "خضراء"، كمفهوم يعبر عن البيئات العمرانية النظيفة، فهذا يعني أن وجود مراكز أبحاث المدن أمر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه في الفترة القادمة. بعض الدراسات أثبتت أن أنماط البيئات السكنية تؤثر في استهلاك الطاقة وهو الأمر الذي يعني أن الفكرة برمتها مرتبطة بالتخطيط الحضري والتصميم العمراني والمعماري، وفي ظل غياب التوجيهات والإرشادات التي تقود عمليات اتخاذ القرارات العمرانية في كل مدينة فإن "العمارة الخضراء" غير قابلة للتحقق أبداً. من وجهة نظري أن أحد الخطوات الاستباقية التي يجب أن نخطوها لتحقيق "السعودية الخضراء" البدء في تأسيس "مركز أبحاث المدينة السعودية".

لن أقول إن جامعاتنا عجزت عن تحقيق هذا الهدف، ولم تبادر أي جامعة لتأسيس مثل هذا المراكز على الرغم من أهميتها وتأثيرها العميق في الاقتصاد الوطني، إذا ما كنا سنقيس قيمة البحث العلمي بأهميته الاقتصادية، فما بالكم أن مثل هذه الدراسة تؤثر مباشرة في الصحة والاستقرار الاجتماعي فضلاً عن دورها الاقتصادي. السؤال الذي أطرحه دائماً هو لماذا لم تبادر أي جامعة سعودية لتأسيس مركز بحثي متخصص في العمران؟ وفي اعتقادي أن الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى فهم البنية الفكرية التي تقوم عليها الجامعات وفهمها للدور الذي يفترض أن تقوم به. إضافة إلى تشرذم المؤسسات المسؤولة عن عمران المدينة وعدم مبادرتها لبناء شراكات مع الجامعات لتأسيس مثل هذه المراكز.

الإشكالية الرئيسية في أغلب البحوث العمرانية التي تنتج عن الجامعات أنها غالباً ما تكون أبحاث فردية من أجل الترقية الأكاديمية وليست ناتجة عن برنامج بحثي طويل المدى يرصد تحولات المدينة ويوجهها عمرانياً، وبالتالي فإن نتائج هذه الأبحاث غير مهمة وليست مؤثرة ولا يمكن الاعتماد عليها في بناء قرارات عمرانية دقيقة. وبالتأكيد فإن مبادرة مثل "السعودية الخضراء" لا يمكن أن تتحقق من خلال دراسات يقوم بها استشاريون من الخارج بل يجب أن تكون نابعة من برنامج وطني مستمر ودائم تتجدد فيه الدراسات دورياً مع التحولات التقنية والاجتماعية والاقتصادية، ويفترض أن يكون هذا البرنامج مرتبطاً ببرامج الدراسات العليا في جميع كليات العمارة والهندسة في المملكة بحيث يتم تبني هذه الدراسات على شكل مشروعات طويلة الأمد داخل هذه البرامج ويقوم طلاب الماجستير والدكتوراه بتوجيه أبحاثهم لهذه البرامج. هذا ما نراه في كثير من الجامعات حول العالم التي تعمل مع مراكز الأبحاث الوطنية وشركات التصنيع الكبرى.

بقي أن أقول إن مراكز أبحاث المدن لا تتوقف عند تأثير المكون الحضري على استهلاك الطاقة بل هي في الأساس تهتم بتشابك الظواهر العمرانية التي تعكس عمران المدينة من بنية تحتية وفوقية ومن ممارسات اجتماعية واقتصادية وترفيهية وثقافية. هذه التشابكات تحتاج إلى متابعة ورصد وتقييم وتطوير، وهذا لا يتأتى دون حضور البحث العلمي الرصين الذي يفترض أن يتجاوز الاجتهادات الشخصية ويركز على الأهداف الوطنية الكبرى. ربما أحتاج أن أكرر أننا أسسنا هيئات لتطوير المناطق وبرنامج لجودة الحياة وأغفلنا تأسيس مراكز بحثية قوية تدعم هذه الهيئات والبرامج. ربما تكون الفترة القادمة هي فترة بناء للتوجه العلمي البحثي الذي يحفظ مواردنا ويؤسس لمستقبل له عيون وآذان.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.