.
.
.
.

المملكة.. منطلق «الاستثمار في الإنسانية»

نجيب يماني

نشر في: آخر تحديث:

باحتضان العاصمة الرياض لانطلاقة «مبادرة مستقبل الاستثمار» تدوّن المملكة سطراً جديداً في دفتر الحضور العالمي المؤثر والسّبق بمبادرات ذات ثقل نوعي، قياساً على ما تطرحه من موضوعات تكتسب أهميتها من كونها مشتركاً إنسانياً من الدرجة الأولى، وهمّاً يؤرّق دول العالم كافة بغير استثناء، بما يجعل من عملية بحث الحلول لها، ووضع الاستراتيجيات المثلى لمعالجتها أولوية قصوى، وأجندة عاجلة مقدمَة على غيرها في جدول الاهتمام الأممي..

وعليه فإنّ انطلاقة هذه المبادرة من العاصمة الرياض يدير البوصلة باتجاهها، بما تكتسبه هذه المبادرة من أهمية كبيرة، تتجلّى في نقاط عدة مهمة، من بينها:

• توقيت هذه المبادرة؛ حيث تأتي ودول العالم بدأت في حالة التعافي من جائحة كورونا، والعودة إلى حالتها الطبيعية، لتستبق المملكة العالم بعقد أوّل مؤتمر عالمي حضوري، مؤكدة بذلك على سلامة إجراءاتها السّابقة حيال الجائحة، وقدرتها على التقاط زمام المبادرة في أصعب الأوقات، معيدة للأذهان نجاحها المذهل في قيادة مجموعة العشرين إبّان رئاستها التي وافقت ذروة الجائحة وسطوتها على العالم.

• شعار فعاليات المؤتمر؛ «الاستثمار في الإنسانية»، وهو شعار يتواءم ويتّسق تمام الاتساق مع رؤية المملكة 2030، التي أبدعتها عبقرية ولي العهد الأمين التي وضعت الإنسان السعودي في مقدمة أولوياتها، وجعلت أمر تأهيله، وترقيته، وتوفير أعلى درجات جودة الحياة له نصب عينها، فجاءت برامج الرؤية وفق هذا المعيار الأخلاقي الرفيع.

• الحضور العالمي الكبير لفعاليات هذا المؤتمر، باستضافة ألفيْ بعثة، وخمسة آلاف مشارك من مختلف دول العالم، فهذا العدد الكبير، يحمل بلا شك أفكاراً ورؤى مختلفة ستثري أجندة المؤتمر، بما سيسلّط الضوء العالمي نحو مخرجاته المنتظرة، والتي من المتوقع أن تكون محطّ الاهتمام والمتابعة.

• الموضوعات المطروحة للمناقشة والبحث في أجندة المؤتمر، والمتمثلة في «مناقشة كيفية الاستثمار في المياه النظيفة، والتعليم، والصحة العامة، والمساواة بين الجنسين، ومحاربة الفقر خاصة الدول التي لم تستطع الوصول إلى اللقاح» فكل هذه الموضوعات من الأهمية بمكان، ويأتي اهتمام المملكة بها من واقع رؤيتها التي ضربت بسهم في هذا الجانب، وبدأت مشاريعها وإستراتيجياتها على هذه المؤشرات الباذخة..

فبالنظر إلى موضوع المياه النّظيفة، فإنّ هذا الموضوع من الأهمية بمكان بالنسبة للمملكة، كونها من قلائل الدول التي تفتقر لموارد مياه طبيعية كافية لأمنها المائي، وتعانى في سبيل توفير المياه النظيفة لكافة الأنشطة الإنسانية، وتتوسّع في مشاريع تحلية المياه لتغطية هذا العجز، وأيّ نقاش في هذا الموضوع يمثلّ قيمة إضافية، ومبعث اهتمام لديها..

أما موضوع التعليم، فقد مضت المملكة في إصلاحات عديدة، وتنقيح لمناهجها الدراسيّة، وهي عملية مستمرة الغاية منها بثّ روح المواكبة والمعاصرة في العملية التعليمية بالمملكة، وجعلها مواكبة لحركة التطوّر العلمي في العالم، وتهيئة البيئة التعليمية السعودية لتكون محاضن للابتكار، ومعامل لنشاط عقلي مثمر وبنّاء، ومساهم في حركة النماء والتطوّر الكوني، بعيداً عن دوائر الاجترار التلقيني الذي لا ينتهي إلا إلى تخريج دفعات من الموظّفين البيروقراطيين، وأنصاف المتعلمين الذين يقفون عند حدود الوظيفة، ولا يتعدونها بالبحث والاجتهاد والابتكار، فالتعليم ماضٍ مع «الرؤية» ليكون نوعيّاً، ومواكباً، ومفجّراً لطاقات العقول السعودية لتمضي في محافل الابتكار والاختراع..

وإذا نظرنا إلى موضوع الصّحة العامة، فإنّ المملكة قد ضربت المثل الأروع في إدارتها الرشيدة لجائحة كورونا وتداعياتها، وهو الأمر الذي كان مبعث الإشادة العالمية، والتأمين المطلق بسبق المملكة في تقديم النموذج الأمثل في التعاطي مع الجائحة، وفي هذا كفاية للتأكيد على ما توليه المملكة من اهتمام بالصحة العامة، فهذا باب تصعب الإحاطة به، ويعسر على المرء حصر وتقييد أمثلته النّاصعة التي قدمتها، وتقدمها المملكة اليوم، سواء لمواطنيها والمقيمين على أرضها، أو لدول العالم كافة، دون تمييز على أيِّ مستوى من مستويات التميز؛ بل يأتي دعمها في مجال الصحّة من منطلق إنساني بحت، يؤكّد مكانتها، وعلو كعبها، وريادتها المشهودة.

وفي أمر المساواة بين الجنسين، فيكفي رؤية المملكة 2030 أنّها قد حرّرت المرأة السعودية من قيود كثيرة وُضعت على طريقها في السابق، مما أعاق سيرها، وعطّل مواهبها، وكبّل حركتها بغير مسوغٍ شرعي أو عقلاني، وإنّما كان ذلك انصياعاً لفكر متحجّر، وأيديولوجيا متخلّفة، لم ترَ فيها غير كائن باعث على الرغائب الآثمة، مثير للشهوات المنفلتة، وهي تصوّرات لا تصدر إلا عن عقل مأزوم، ونفوس مريضة، فجاء تحرير المرأة السعودية من هذا القمقم، لتؤكد حضورها دون أيّ خروج عن الثوابت المجتمعية، والأعراف والثوابت الدينية..

أمّا خامس الموضوعات المدرجة في جدول أعمال المؤتمر والمتمثل في محاربة الفقر؛ خاصة الدول التي لم تستطع الوصول إلى اللقاح، فهذا مناط الاهتمام لدى المملكة وقيادتها الرشيدة، فللمملكة في هذا الجانب النصيب الأوفر، ويكفي أنّها محسوبة اليوم من أوائل الدول العالمية سبقاً وتفوّقاً في هذا المضمار، ويكفي كذلك أنّ منظماتها ومؤسّساتها الخيرية مرفوعة الذكر بما تقدمه لكافة دول العالم بغير منٍّ ولا أذًى؛ بل استجابة فورية كلما دعا داعي الغوث، وارتفع صوت المنادي بالحاجة للدعم والمؤازرة، وقد ظلّ نداؤها مستمراً من أجل توفير اللقاح للدول الفقيرة، بما يسهم في محاصرة الجائحة عالمياً، وعدم الانغلاق والانكفاء الداخلي، تفاعلاً مع الإنسانية جمعاء..

صفوة القول وزبدته؛ إنّنا أمام حدث استثنائي، انطلق في رحاب عاصمتنا الرياض، وهو حدث ينسجم مع ريادة المملكة ومكانتها إقليميّاً وعالميّاً؛ فليس بالمستغرب عليها أن تبادر إلى جمع العالم ليناقش قضاياه المؤرقة والملحّة، وليس بالجديد عليها أن تفتح مثل هذه الملفات الشائكة، وتشارك العالم الرؤية في حلِّها.. فلنفخر بوطن يتصدّر المشهد سبقاً، وقيادة تبادر بما يصلح العالم رؤية وانفتاحاً.

* نقلا عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.