.
.
.
.

دروس كورونا المستمرة !

حسين شبكشي

نشر في: آخر تحديث:

عالم ما بعد كورونا ليس كما قبله. جملة تكررت كثيرا على مسامعنا خلال الفترة الأخيرة، وهي بلا شك جملة وصفية في غاية الدقة. فحجم «رقمنة» المجتمعات بلغ مستويات غير مسبوقة في زمن قياسي، وأصبح الاعتماد على التطبيقات الرقمية لإجراء المعاملات الحكومية والمصرفية وتنفيذ الأعمال وتوصيل الطلبات بمختلف أشكالها مسألة أساسية في حياة الناس اليومية، وتأقلم الناس مع واقعهم الرقمي الجديد والذي ظنوه أنه مجرد مرحلة مؤقتة تستدعيها الظروف القهرية للجائحة الفتاكة المدمرة ليكتشفوا أنهم أصبحوا مقيدين بتطبيقات ترصد وتراقب كافة حركاتهم ومعيشتهم وصرفهم وصحتهم، بالإضافة طبعا إلى الأثر الكبير الذي أحدثته على وسائل وأساليب العمل والتعلم. ولم تكن حالة الرقمنة الجديدة هي الحالة الوحيدة المستحدثة، ولكن جاء مع الجائحة واقع ضريبي جديد فرضته الظروف على حكومات العالم ليصبح هو أيضا واقعا جديدا يجب التعايش معه. واليوم كما بات واضحا أن الكورونا هي الأخرى باقية معنا، وعلينا التعايش معها بجرعات منتظمة مع الحديث المتواصل عن الجرعة الثالثة والرابعة، وعلى ما يبدو أننا في الطريق للتعامل مع الكورونا بما يشبه التعامل مع الانفلونزا الموسمية والتي تتطلب لقاحا سنويا. ولكن الجائحة تحضر العالم لموجة اقتصادية عاتية اسمها «التضخم الكبير» وعلاماته باتت تلوح في كل مكان. لعل أهمها هو أن نصف المبالغ التي يتم تداولها في العالم اليوم تم ضخها من الولايات المتحدة الأمريكية في العام الماضي فقط، وبما أن كافة الاقتصاديات العالمية مرتبطة بالدولار فكان من الطبيعي جدا أن يؤثر ذلك الأمر على اقتصاد الدول. واليوم تشهد بورصات المواد الأولية، والتي تشهد تعاملات في سلع كالنحاس والألمونيوم وغيرهما، تشهد ارتفاعا كبيرا جدا في أسعار هذه السلع (دون أن ينعكس حتى الآن على أسعار السلع النهائية الموجهة للسوق الاستهلاكي ولكن هذا الأمر هو مجرد وقت لا غير)، وبالتالي ستشهد الأسواق حول العالم موجة تضخم سعرية حادة جدا، خصوصا مع زيادة التوقعات المنطقية المتعلقة بعودة الأسواق إلى طبيعتها بعد الانفتاح التام. وعليه فإن الإبقاء على أي سيولة نقدية دون توجيهها إلى قنوات استثمارية جذابة لأن عوائدها بكل الأحوال سوف يكون أفضل من الإبقاء عليها ومتابعة تناقص قيمتها الشرائية باستمرار. وهذا بطبيعة الحال يفسر الإقدام الهائل والكبير على الاستثمار في البورصات المالية حول العالم (وجميعها بدون استثناء تشهد طفرات مهولة في القيم السوقية لها وللشركات المدرجة فيها)، وأيضا نفس الشيء ممكن أن يقال على الإقبال على الاستثمار العقاري بمشتقاته المختلفة حول العالم. كورونا غيرت الكثير من أساليب حياتنا بشكل جذري وواضح ولا يمكن إنكاره ولكن كما يبدو جليا فإن كورونا والتغييرات التي تسببت لنا فيها لم تنته بعد، وآخر هذه الفصول هو التضخم الكبير المتوقع.

نقلا عن عكاظ

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.