.
.
.
.

الآداب العربية.. والجيل العربي الجديد

عبدالله الزازان

نشر في: آخر تحديث:

لقد شخص الباحثون منذ زمن بعيد عن وجود علاقة ما بين الآداب والتطور، فمنجزات عصر النهضة قامت على فلسفة أدبية، ومن هذه الناحية علينا أن ندرك أن تطور الآداب مواكب لتطور الحياة..

في الثلاثينات الميلادية اجتاحت العالم العربي حركة أدبية واسعة شكلت أكبر انعطاف في تاريخ الحياة الأدبية وأصبحت معلمًا بارزًا في الثقافة العربية.

فقد كانت الثقافة بوجه عام منحازة إلى جانب الأدب وأكبر حليف له في تمدده وانتشاره عرفت على إثره الحياة الأدبية تطورا هائلا فقد ظهرت في تلك الفترة كتابات وقراءات أدبية ونقاشات وآراء كانت ذات تأثير مباشر في رقي وتطور الحركة الأدبية.

فقد تنامى الأدب بشكل عام وشكل نقلة نوعية -في تلك الفترة التاريخية- وحقق انتشارًا واسعًا وتأثيرًا كبيرًا في الحياة الثقافية. وتمكن من الاستحواذ على المشهد الثقافي بشكل عام وبرهن على وجوده وقدر له أن يسود الحياة الثقافية.

فقد لعبت الصالونات الأدبية -في ذلك الوقت- دورًا كبيرًا وإيجابيًا، وتأثيرًا حاسمًا على الحياة الأدبية وعلى غرار الصالونات الأدبية سعت الصحافة العامة ومنها المجلات الأدبية في استقطاب وتبني الأدب، وكان للصحافة الأدبية والصالونات الأدبية دور كبير في تكوين ثقافة الأديب وتشكيل الثقافة الأدبية.. ومن ثم تعرض الأدب بشكل عام لتأثير واضح من الآداب الأخرى فقد توالى ظهور الأصناف الأدبية الجديدة وكان في مقدمة تلك الأصناف الأدبية تيار الحداثة الذي انتظم ميادين الحياة الثقافية والأدبية، وتكرس بصورة واسعة في الأدب.. فكانت الحداثة بصورة أو أخرى المدخل إلى تطوير وسائل تعبيرية جديدة هيأت المثقف للانفتاح على تجارب أخرى وفي هذه الحالة نجم أدب وولدت ثقافة.

مجموع هذه الملحوظات يرسم واقع الحركة الأدبية التي بدأت تتلاشى عن المشهد الثقافي مع الجيل العربي الجديد.

فإذا ما نظرنا إلى العلاقة ما بين الآداب والواقع الاجتماعي العربي نجد أن البعض من الجيل الجديد لم يكن على صلة وثيقة بالحياة الأدبية والثقافية كما كانت عليه الحال عند الأجيال السابقة، فقد كانت الحياة الأدبية والثقافية سمة لتلك الفترة التاريخية وقد سارت بالحياة الثقافية بخطى حثيثة.

فقد رأت النور عند ذلك الجيل رؤى أدبية وثقافية غيرت مجرى الحياة، وكان لذلك دلالاته لمعايير ذلك الزمن إلا أن ذلك لم يدم طويلاً فقد اضطرب مفهوم الحياة الأدبية عند البعض من هذا الجيل، وصار الأدب بمعناه الواسع في غياهب النسيان، وهذا خطأ منهجي لا يستند على أساس موضوعي.. وإن كان هذا الجيل قد عرف بعض المحاولات، إلا أنها لم تكن جادة في أكثرها، وإن ما صدر لا يمثل إلا نسبة ضئيلة مقارنة بالنتاج الأدبي السابق، ولذلك انفصلت علاقة الأدب بالواقع، فنشأ الأدب معزولًا عن السياق الاجتماعي.

لقد اقتنع البعض من هذا الجيل بأن الحياة، بما فيها الحياة الثقافية والأدبية، يجب أن تكون على هذه الشاكلة آتية من عوالم أخرى دون أن يكون لهم دور في إنتاجها.

ومن جانب آخر فمفهوم الآداب عند البعض من الأجيال العربية يكتنفه شيء من الإبهام ولذلك فإن تحديد المفاهيم مهم لاستبعاد المفاهيم المتباينة والمضطربة.

وبذلك يمكن إدراك أن الآداب تقدم وصفة التطوير للمجتمعات وبذلك سمي الأدب بعين العالم التي ترى كل شيء.. وهذا ما قرأناه وعشناه مع الآداب العالمية، فالنجاح الذي أحرزته تلك الآداب كان إيجابيًا ومدهشًا، وقد كانت عاملًا حاسمًا لحياة فاعلة ومتطورة، صنعت تراثًا يروق للأجيال، وذلك بالانتقال التدريجي بالحياة من وجهات النظر التقليدية إلى الحياة الواقعية الفاعلة.

وعندما نتتبع دور الآداب العالمية في الوعي العالمي، فإننا نجد مثلًا أن الآداب الأوروبية كانت المجسد الحقيقي لروح النهضة الأوروبية، ومن خلال تلك الآداب عرفت الحياة الأوروبية تغيرات (كان فيها كل شيء يتغير لمصلحة الإنسان).

لقد طرح عصر النهضة مفهومًا للإنسان الجديد والمتطور والمفكر والفعال والمبدع، الذي قامت حياته على نتاج الأفكار الأدبية المستنيرة.

لقد شخص الباحثون منذ زمن بعيد عن وجود علاقة ما بين الآداب والتطور، فمنجزات عصر النهضة قامت على فلسفة أدبية، ومن هذه الناحية علينا أن ندرك أن تطور الآداب مواكب لتطور الحياة.

فإذا ما وقفنا على الآداب الأوروبية ابتداء من العصر الوسيط حتى عصر النهضة ندرك دور تلك الآداب في صناعة الحياة الجديدة. فالتحول الحقيقي الذي أحدثه عصر النهضة الأوروبية كان منطلقه الآداب الأوروبية.

إلا أن الآداب العربية لم تأخذ بحظها من هذه الظاهرة العالمية، ورغم أن الحياة الأدبية العربية شهدت تطورًا في القرن التاسع عشر، إلا أنها اليوم تبدلت تبدلًا تامًا، وضمرت عن حقول التفكير والمعرفة، وانحصرت في الشعر والقصة والرواية، ليس لعجز تلك الآداب، ولكن لطبيعة الممارسة.

فالآداب ليست مجرد وعاء أو أداة للفكر، بل هي القالب الذي يتشكل فيه الفكر، بل هي الفكر نفسه.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.