.
.
.
.

توطين الإرهاب في المنطقة العربية

إبراهيم النحاس

نشر في: آخر تحديث:

حالة الإنهاك المتواصلة التي يعاني منها الوطن العربي في جميع المجالات بسبب السلوكيات المتطرفة والإرهابية التي تمارسها التنظيمات والجماعات والعناصر الإرهابية لم تكن وليدة الصدفة، وإنما هي نتيجة لسياسات واستراتيجيات طويلة المدى..

مع نهاية الحرب العالمية الأولى 1918م، أُعلنت هزيمة الدولة التركية العثمانية بعد ستة قرون من نشأتها عام 1299م. ومع ذلك الإعلان، تحررت المنطقة العربية من استعمار بغيض استبد استبداداً عظيماً بأبناء الأمة العربية، ودمر تدميراً عظيماً المجتمعات العربية حتى أصبحت هذه المنطقة العربية وكأنها لم تعرف طريقاً للحضارة والثقافة والتقدم العلمي العظيم الذي ساهم مساهمة مباشرة بعمارة الأرض على مدى سبعة قرون من تاريخ الدولتين العربيتين الأموية والعباسية، وعند هذه اللحظة التاريخية الفارقة التي أُعلن فيها سقوط الدولة العثمانية، وبعد ذلك إلغاء السلطنة العثمانية عام 1922م، استيقظ العالم على أصوات الحرية والعزة والكرامة الصادرة من المنطقة العربية مطالبةً بسيادتها الكاملة ورافضة رفضاً قاطعاً لجميع أشكال الهيمنة والاستعمار الأجنبي بكافة صوره. هذه الأصوات العربية العزيزة تعددت وتنوعت بالتعبير عن صوت العزة العربية في جميع المناطق والأقاليم العربية، إلا أن أعلاها صوتاً وأكثرها تأثيراً في الروح العربية كان صوت سعد زغلول -أحد زعماء مصر التاريخيين وقائد الثورة المصرية عام 1919م- مطالباً باستقلال مصر ورافضاً للتواجد البريطاني على جميع الأراضي المصرية، عند هذه اللحظة التاريخية التي نادى بها سعد زغلول بتحقيق الاستقلال التام لمصر، أدركت قوى الاستعمار العالمية بأنها أمام مُفترق طرق غير مسبوق في المنطقة العربية: فإما أن تخضع لدعوات الاستقلال وتنسحب من مِصر لتُحكم من أبنائها، وإما أن تتصادم مع أبناء مصر وبالتالي قد تخسر المعركة وتغادر نهائياً وينتهي أثرها وأثر قوى الاحتلال الأجنبي في مصر وباقي المناطق العربية المحتلة.

وبما أن قوى الاستعمار العالمية تعلم جيداً بأن استجابتها وانسحابها التام من المنطقة العربية يعني نهضة عربية عظيمة ستتحقق في المنطقة العربية وسترتفع معها راية العرب عالياً لتؤثر تأثيراً مباشراً في السياسة العالمية -كما كان سابقاً عندما كانوا قادة للعالم على مدى قرون عديدة- تبنت قوى الاستعمار سياسات تضمن من جهة تهدئة الشارع المصري بتحقيق بعض من مطالبة القومية المشروعة، وفي نفس الوقت عملت على تبني سياسات تضمن تعطيل تطور ونهضة المجتمع المصري خصوصاً، والعربي عموماً، فبدلاً من المواجهة المباشرة مع الشارع المصري المتماسك صفاً واحداً خلف زعيمه سعد زغلول، تبنت قوى الاستعمار سياسة شق وحدة الصف المصري من الداخل، وعملت على تمزيقه وتقسيمه لفئات وأحزاب، وسعت لبث الفتنة بين أبناء الشعب المصري، فبعد أن كانت أفكار ومطالب الزعيم القومي سعد زغلول -على مدى أعوام عديدة- هي الجامع للشارع المصري، جاءت "جماعة الإخوان المسلمون" عام 1928م -بقيادة حسن البناء- بطروحات وشعارات تتصادم تماماً مع الطروحات القومية والعروبية لتبدأ من لحظتها حالة الانقسام الحاد داخل المجتمع المصري خصوصاً، ولتؤثر في مراحل لاحقة في جميع المناطق العربية، لقد جاء تأسيس "جماعة الإخوان" في مرحلة حاسمة من تاريخ الدولة المصرية الحديثة ما أدى لتراجع صوت القومية والعروبة أمام الشعارات الإسلامية لجماعة الإخوان، وقادت بالتالي لانقسام المجتمع المصري بين مؤيد للقومية العربية، وآخر مؤيد للشعارات الإسلامية، ومُنذُ تلك اللحظة التاريخية لنشأة "جماعة الإخوان"، بدأت حالة الانقسام داخل المجتمع المصري مما تسبب بحالة ضعف سياسي وإنهاك اجتماعي نتيجة التصاعد السريع لقدرات وامكانات "جماعة الإخوان" حديثة النشأة! وبعد أن كانت ترفع شعارات إسلامية على مدى خمسة وعشرين عاماً، تبنت "جماعة الإخوان" -مُنذُ الخمسينات- منهجاً متطرفاً بخروجها على الدولة، وتبنيها الإرهاب لزعزعة أمن المجتمع وإسقاط النظم السياسية في الوطن العربي. هذا المنهج المتطرف والإرهابي الذي عملت عليه "جماعة الإخوان" -التي نشأت وترعرعت وتوسعت في ظل التواجد البريطاني في مصر- تمكن من الوصول والتواجد في معظم المناطق العربية، وأثر تأثيراً سلبياً على حالة الأمن الاستقرار السياسي في بعض المناطق العربية.

نعم، لقد لعبت "جماعة الإخوان" دوراً رئيساً في سبيل خدمة أهداف الاستعمار -سواءً بوعي أو بغير وعي- كونها من أوائل، إن لم يكن أول، من مارس الإرهاب في المنطقة العربية، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق جميع أهداف قوى الاستعمار في جميع المناطق العربية، فكان لا بد من البحث عن أدوات أخرى لتواصل إرهاق الوطن العربي، وتستنزف موارده، وتزعزع استقراره، وتفتت مجتمعاته، وهنا وقع الاختيار على "الخُميني" -المطرود من إيران ثم العراق، والمقيم في فرنسا- ليكون أداة قوى الاستعمار في المنطقة ومنفذ أجندتهم المتعددة في الوطن العربي. وفعلاً، أثبت "الخُميني" أنه الأداة المناسبة لقوى الاستعمار لتقسيم وتفتيت المجتمعات العربية، ولإرهاق واستنزاف الموارد العربية، ولزعزعة أمن واستقرار الدول العربية، فمُنذُ أن وُليَّ السلطة في طهران، بدأ سريعاً في تنفيذ مشاريع قوى الاستعمار تجاه الوطن العربي، فبعد أن رفعت "جماعة الإخوان" شعارات إسلامية على حساب القومية العربية، رفع "الخميني" شعارات طائفية -شيعية وسنية- لتقسيم وحدة المسلمين في المجتمعات العربية والإسلامية، وبعد أن تمددت "جماعة الإخوان" بالوطن العربي عن طريق عناصرها ومكاتبها السرية، تمددت سياسات "الخُميني" الطائفية المُتطرفة في الوطن العربي عن طريق العُملاء والمرتزقة وخونة الأوطان العربية، فبعد أن تم توظيف الطائفية توظيفاً بغيضاً خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980 - 1988م، أُسس في لبنان عام 1982م "حزب الله" تحت شعار المقاومة، واستغل حرب تحرير الكويت عام 1991م، ليُرسل ميليشيا "قوات بدر" للعراق، وفي 1994م أُسست في اليمن "حركة الشباب المؤمن" المعروفة حالياً بـ "حركة أنصار الله" أو "جماعة الحوثي" تحت شعار "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل". واستغل الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003م ليشكل ميليشيات طائفية موالية كميليشيات "الحشد الشعبي" و"فيلق بدر" و"جيش المهدي". واستغل حالة الفوضى في سورية لتأسيس ميليشيات طائفية تخدم السياسات المتطرفة في المنطقة العربية، كذلك عملت سياسة "الخميني" الطائفية على التدخل المباشر في شؤون الدول العربية، وتبنت دعم وتمويل عناصر وجماعات متطرفة وإرهابية مثل القاعدة وداعش.

وفي الختام من الأهمية القول إن حالة الإنهاك المتواصلة التي يعاني منها الوطن العربي في جميع المجالات بسبب السلوكيات المتطرفة والإرهابية التي تمارسها التنظيمات والجماعات والعناصر الإرهابية لم تكن وليدة الصدفة، وإنما هي نتيجة لسياسات واستراتيجيات طويلة المدى معدة إعداداً متقناً لإبقاء الوطن العربي ضعيفاً ومنقسماً على ذاته ليسهل بعد ذلك التعامل معه وسرقت ثرواته واستنزاف موارده، إنها سياسات استعمارية خبيثة، ووجدت خُبثاء ينفذونها ويسهرون عليها بكل دناءة ووضاعة.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.