.
.
.
.

الفن والطعام والشراب

حسين علي حسين

نشر في: آخر تحديث:

الكتابة مثل الأكل أو الشرب، في الغالب من لا يحس بالحاجة، لن يذهب إليهما، أو ألى أحدهما، لكن بعض الناس لديهم رغبة في الأكل والشراب، رغم عدم حاجتهم لذلك، ورغم معرفتهما بأن الطعام على الطعام مفسدة؛ والنتيجة عسر وقلق وربما سمنة مفرطة، ما يحصل مع الناس في الأكل والشراب، يحصل مع الكتاب، وأشباه الكتاب؛ غزارة في الإنتاج وسوء في القيمة أو التوزيع. وعند بعض الكتاب، الكتابة عمل، مثلها مثل أي عمل عقلي أو عضلي، لا بد من ممارستها يومياً، وفي أوقات محددة؛ أوقات لمسك القلم وأوقات لطرحه، أوقات لفتح الكمبيوتر وأوقات لغلقه، بل إن هناك كتّاباً، من معاصري الأيام الطيبة، يخصصون دقائق لبري أقلام الرصاص استعداداً للكتابة وكان من أبرز هؤلاء أرنست هيمنجواي؛ مقابل أصحاب هذه الطقوس العفوية أو المرتبة، هناك كتاب عاديون، وكتاب مبدعون، لا يمسكون الورقة والقلم أو يجلسون إلى الكمبيوتر، إلا إذا دعتهم إلى ذلك حالة، أو دافع ملح، مثلهم مثل من يشعر بالعطش أو الجوع الشديد. هذه الفئة من الكتاب أكثر عرضة، للإصابة بما بات يعرف بحبسة الكتابة، مثلهم مثل المريض الذي به علّة، فيفقد الدافع، لوقت يطول أو يقصر إلى الأكل والشراب، وربما الخروج من البيت للعمل، أو شم الهواء، أو مقابلة الأصدقاء. هذه الحبسة التي تطول أحياناً لسنوات ساهمت في توقف أدباء كبار وموهوبين عن الكتابة لسنوات عديدة وساهمت في حجب بعضهم نهائياً عن الكتابة، وهي للأسف، ليست مثل حالات لها علاج وحلول مثل حالة عدم الرغبة في مقابلة الناس أو عدم الرغبة في الأكل؛ هذه حالة طبيبها ومعالجها صاحبها! وإذا خلصنا من الكتابة وهمومها، ومن الإقبال على الطعام والشراب؛ فإننا سوف نجد عديداً من "الحبسات" التي تعرض للناس أو للدول، ولأننا نعف عن الخوض في السياسة وأوحالها، فليس لنا إلا الخوض فيما يعرض من الهموم، لعامة الناس وخاصتهم؛ فهناك على سبيل المثال حبسة ربة المنزل، أو حيرتها في اختيار طبق اليوم؛ ما يجعلها في غفلة من أهل الدار؛ تعود لمخزون الثلاجة من الأكل القديم؛ فتزينه وترتبه وتقدمه، على أنه من عمل اليوم والساعة؛ وهناك حبسة الطريق التي لن تجد لها حلاً، خصوصاً إذا كانت بسبب حادث، في طريق ليس به مخارج، وهناك حبسة الممثل الذي انتهى من دور جعل اسمه يرفرف في الساحة؛ فنان مثل هذا سيكون في مقبل أيامه أمام سؤال مثل هذا: هل استطيع تجاوز نفسي مرة أخرى؛ فأظل عند حسن ظن الجمهور بي أم لا؟ كثر مثل هذا الفنان كان دورهم الناجح، سبب في حبستهم عن التمثيل إلى الأبد! وهناك الحبسة التجارية التي قد يتعرض لها المقبلون على التجارة، دون دراسة او تخطيط أو تريث؛ ومثال على هذه الحبسة، عندما يرى تاجر المستقبل، طابوراً أمام محل شاورما أو بيتزا أو عصيرات؛ فيعمد إلى تجهيز محل أجمل وأفخر بجانبه؛ ناسياً درساً بسيطاً، لو وعاه، لفتح محله أو مطعمه بعيداً، ولبحث لمطعمه عن شيء غير موجود، عند أولئك الناجحين!

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.