.
.
.
.

لمُعالجة الأزمات في المنطقة العربية

إبراهيم النحاس

نشر في: آخر تحديث:

عُمق الأزمات وتراكمها وترسخها في المنطقة العربية نتيجة طبيعية لقرون متتالية وعقود متعاقبة من حالة الاستهداف المُباشر الذي مارسته قوى الاستعمار -القريبة والبعيدة- تجاه المنطقة العربية، وهذه الحالة المُركبة والمُعقدة من الأزمات ومسبباتها أثرت تأثيراً مباشراً على حالة الاستقرار السياسي نتيجة للاختراقات والتدخلات الخارجية، وقادت لتواضع في المجالات الاقتصادية والتنموية نتيجة للتدمير الممنهج الذي تعرضت له المنطقة العربية، بالإضافة للاستنزاف المادي وسرقة الثروات الطبيعية، وزُرعت وغُذيت بذور الفتنة والفرقة على أسس دينية ومذهبية وطائفية وعرقية وطبقية لتأجيج حالة الانقسامات المذهبية والطائفية، وتسببت بِخلق ونشر العناصر والجماعات والتنظيمات المتطرفة والإرهابية حتى أنهكت المنطقة العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وفكرياً، وأشغلتها أمنياً وعسكرياً، وشوهت صورتها أمام الرأي العام عالمياً حتى أصبح اسمها -بكل أسف وأسى- مرتبط بالسلبيات التي يعاني منها العالم. نعم، هذا هو الواقع المُؤلم الذي عليه المنطقة العربية والذي يُراد لها أن تكون عليه في الحاضر والمستقبل، إلا أن الذي يجب أن يعرفه أبناء المنطقة العربية بأن هذا الواقع المُؤلم ليس أمراً حتمياً يجب أن يبقوا فيه، وليس أمراً يقينياً يحكم حاضرهم ويقود مستقبلهم، وإنما هذا الواقع المُؤلم ليس إلا مرحلة لتعلم الدروس الصعبة واكتساب الخبرات والتجارب التي تمكن وتساعد أبناء المنطقة على وضع الحلول المنطقية لمعالجة الأزمات العميقة والمُتراكمة التي ستساهم -إن وضعت بشكلٍ صحيح- في بناء حاضر ومستقبل مُشرق للمنطقة العربية.

نعم، إن المنطقة العربية بحاجة ماسة ومُلحة لمعالجة الأزمات العميقة والمُتراكمة إن أرادت أن تُحافظ على أصالة وجودها، وترتقي بمكانتها، وتُنافس باقي الأمم المتطورة والمتقدمة على الصفوف الأولى، فإذا توفرت هذه الإرادة لدى أبناء المنطقة العربية، فإنها قادرة -بإذن الله تعالى- بما تملك من قدرات وموارد -بشرية وطبيعية- على مُعالجة أزماتها والخروج من حالة الوهن والضعف التي تحكم واقعها المعيش، ولعل أولى خطوات معالجة الأزمات تبدأ من الاعتراف الفِعلي بالأزمات القائمة والإقرار الحقيقي بالواقع المُؤلم الذي تعيشه المنطقة العربية لأنه سيُساعد على معرفة الأسباب الحقيقية ووضع الحلول المنطقية التي تُناسب الواقع وترسم خُطط الحاضر والمستقبل بعقلانية وحكمة شديدة.

إن معالجة الأزمات في المنطقة العربية تقوم على مستويين رئيسين: مستوى العمل الجماعي، ومستوى العمل الأحادي، إن هذين المستويين من العمل لا يمكن فصلهما بأي حال من الأحوال لأنهما يؤثران تأثيراً مباشراً ببعضهما البعض بحكم التقارب الجغرافي الممتد، والتطابق الثقافي والحضاري، والبعد التاريخي، والمشتركات الاجتماعية المتكاملة، والتداخلات القبلية والعائلية والأسرية غير المحدودة، وغيرها من مُشتركات سياسية، واقتصادية، وتنموية، واجتماعية، وثقافية، وحضارية، وأمنية، وعسكرية. وبما أن مستوى العمل الجماعي ومستوى العمل الأحادي يُؤثران على بعضهما البعض ويكملان بعضهما البعض، فإن من أساسيات ومتطلبات العمل لمعالجة الأزمات في المنطقة العربية -بعد الاعتراف بالأزمات ومسبباتها- هو وضع استراتيجيات عِلمية -مُحكمة ورَصِينة- لأنها ستساعد على وضع خطط شاملة على أُسس صحيحة ومنطقية وواقعية وقابلة للتطبيق على أرض الواقع.

وإن المنطقة العربية كذلك بحاجة ماسة لمعالجة الأسباب التي تؤدي لخلافات تستنزف الوقت والجهد والموارد، وتُعطل التنمية والتطوير والتحديث، وتزيد من حالة الانقسام والفرقة والتشرذم، وتمنح الفُرص لأصحاب المُخططات الهدامة من الأعداء والمُتطرفين والإرهابيين. فالمنطقة العربية تملك كل الفرص التي تُمكنها من تجاوز الخلافات أياً كان مستواها، والاتفاق على المستقبل أياً كان التطلع له، خاصة وأن المُشتركات في المنطقة هي الأصل الذي يجب أن يُبنى عليه.

وإن المنطقة العربية بحاجة ماسة للاهتمام بالتعليم والتطوير المستمر للمناهج التعليمية، والتحديث المتواصل للبيئة المدرسية والمؤسسات التعليمية العليا، فهذه العملية التطويرية مهمة جداً لأنها الأساس لإعداد وبناء أجيال مؤهلة فكرياً ومتعلمة تستطيع المساهمة والمساعدة في وضع الخطط المدروسة للخروج من أزماتها بعقلانية لتبني الحاضر والمستقبل. إن وضع استراتيجية عربية شاملة للارتقاء بمستوى التعليم والتعلم والمعرفة أمر غاية في الأهمية إن أرادت المنطقة العربية الخروج من أزماتها الاقتصادية والتنموية والاجتماعية والصحية والثقافية والفكرية والأمنية وغيرها من أزمات تعطل التقدم وتنحرف بالإصلاحات الشاملة عن طريقها الصحيح. فأبناء المنطقة العربية أثبتوا تاريخياً -على مدى قرون عديدة- قدراتهم الهائلة على بناء الدول العظيمة، وقيادة السياسة الدولية، والريادة في المجالات العلمية والفكرية والثقافية والحضارية، بما يملكون من علوم ومعارف وفهم حقيقي لأسس دينهم وثقافتهم وحضارتهم الأصيلة، وكذلك يمكن أن تعود المنطقة العربية لتسود كما ساد أجدادهم من قبلهم.

وإن المنطقة العربية بحاجة ماسة لمختلف مراكز الفكر والدراسات في جميع المجالات والعلوم الدينية والفكرية والطبيعية والصحية وغيرها من علوم ومعارف، فإنشاء وتأسيس مراكز الفكر والدراسات، ودعم تواصلها وترابطها في المنطقة العربية، وتوفير بيئة بحثية وفكرية وعلمية على أسس صحيحة، سيساهم في وضع المقترحات العِلمية والمنطقية والواقعية لمعالجة الأزمات القائمة بحكمة واقتدار، ويعمل على تعزيز المشتركات التي من شأنها اختصار الوقت والجهد وتعزيز الفرص لتحقيق المصالح العليا للمنطقة العربية. إن المنطقة العربية تملك في داخلها قدرات وموارد بشرية مؤهلة تأهيلاً فكرياً وعلمياً على أعلى المستويات العالمية، فإن وُظفت قدراتهم توظيفاً صحيحاً ستتمكن المنطقة العربية من التغلب على أزماتها بوقت وجيز وجهد أقل لأن أبنائها من أصحاب الفكر والعلم والمعرفة أدرى بأزماتها ومشكلاتها، وأقدر على وضع الحلول الواقعية والعلمية والفكرية التي تناسبها، بالإضافة لغيرتهم وولائهم المعهود لبلدانهم العربية، وتقديسهم لأرضهم بثقافتها وحضارتها الأصيلة.

وفي الختام من الأهمية القول إن المنطقة العربية عليها مسؤولية تاريخية للمحافظة على المكتسبات القومية التي تحققت على مدى عقود، وتلك المسؤولية لن تتحقق إن لم تعمل المنطقة العربية بجهد عظيم لمعالجة الأزمات العميقة والمتراكمة، وتواجه التحديات المتصاعدة التي تستهدف حاضر ومستقبل المنطقة العربية. إنها الحقيقة التي يجب أن تعيها المنطقة العربية لتحقيق نهضة عربية حقيقية على امتداد الوطن العربي، وإما التراخي والتغافل حتى تتصاعد التحديات ويصعب مواجهتها لتتضرر بعد ذلك المنطقة العربية برمتها.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.