.
.
.
.

الوجه الآخر للابتكار

زياد آل الشيخ

نشر في: آخر تحديث:

لطالما تحدثنا عن الابتكار بإيجابية، متمتعين بوجهه المشرق الذي يطل علينا من مخرجاته. إنما مع كل ما يجلبه الابتكار لنا من حياة أغنى وعمر أجمل، فإن له جانباً آخر نغفل عنه. لا يتعلق الجانب الآخر بما يأتي به الابتكار من تحولات في حياتنا يختلط بها الإيجابي مع السلبي، من منظورنا للحاضر والمستقبل وقدرتنا على تقبل التغيير؛ إنما يتعلق الجانب الآخر بما صوره مصطلح شاع في فترة ما، وهو التدمير الابتكاري.

جاء مفهوم التدمير من منظور اقتصادي مبكراً عند المنظرين للرأسمالية ومناوئيها. ففي الرأسمالية كما يشير منظرها الأول جون آدامز، فإن يداً خفية تعمل لضبط حركة الأسواق من منظور المصلحة الذاتية لكل فرد. ولأن حركة الأسواق تنعم بحرية مطلقة أو نسبية فإن قوى الاقتصاد تتحرك باستمرار بحثاً عن توازن ما. إنما مع كل استقرار فإن اضطراباً قصيراً أو طويلاً سيضرب الاقتصاد ليعيد تشكيل نفسه باحثاً عن استقرار جديد. الأسباب الجذرية لكل تحول مختلفة، إنما يأتي الابتكار من أسباب التحولات الاقتصادية الكبرى.

ليس كل ابتكار لديه قدرة التغيير الكبير، إنما هي مجموعة من الابتكارات تلتقي وتفترق، تتحد وتنفصل، لتشكل الأمواج العارمة في محيط الاقتصاد الكبير. حرية الفكر التي تولد الابتكار تفتح مجالاً في مساحات تتسع وتضيق لنشوء الجديد وتدمير القديم. من هذا المنطلق جاء مفهوم التدمير الابتكاري الذي يسلط الضوء على ما يتركه كل ابتكار ناجح من زعزعة للاستقرار وتفجير لكتل اقتصادية صلبة تقف كالجبال في وجه الزمن. ما يفعله الابتكار هو إعادة تشكيل الاقتصاد بإحلال قوى جديدة مكان القديمة، وفي أثناء عملية الإحلال التي تتحرك ببطء لكن بقوة، يقع ضحية لها من لم ير العاصفة وراءه وهو منشغل في ترميم بيته القديم.

التحول حقيقة لا مناص منها، إنما المؤلم ألا تدرك هذه الحقيقة في الوقت المناسب. وكل ابتكار ناجح يحمل في جعبته قدراً من التحول تاركاً خلفه مساحة من الفوضى والارتباك لمن مر بهم ولم يدركوا ما جرى. لا يرى الوجه الآخر للابتكار عادة، فما يأتي به يسرق الأضواء، ولا تسعف الذاكرة في استحضار الأسماء من سلة الماضي. فمن المدهش أن بعض الدراسات تشير إلى أن أكثر الشركات الابتكارية الناشئة إما تفشل في غضون ثلاث سنوات، أو تذوب في السوق إن نجحت في مدة أقصاها عشر سنوات. بمعنى آخر، لكل ابتكار دورة حياة متغلغلاً من شقوق الاقتصاد حيناً، أو فاتحاً ثقباً فيه أحياناً أخرى. وإن طال به الأمر، فإنه ينتهي في يد محتكر كبير يبتلعه ابتلاعاً.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.