.
.
.
.

الإبداع ولمسة الجنون

ملحة عبدالله

نشر في: آخر تحديث:

لم نعد اليوم بمعزل عن العالم، ولم نعد نحتمل ذلك الهراء الذي يقترب من لمسة الجنون، والتي ذكرها أفلاطون في نظريته (المثل)، ولم نعد نحتمل الآراء النقدية غير المتخصصة، فالنقد الانطباعي السائد آفة الإبداع، إذ إن للنقد مدارس ومسالك، إذا ما اقترب منه غير المتخصص الدارس -غير من أفنى عمره في علم له أصوله من الإبداع- بتنظيرات لا تنم إلا عن آراء شخصية، فالرأي لا يخص إلا صاحبه، أما النقد فيخص الوجدان الجمعي في تشكيل الوعي العام، ونحن في يومنا هذا نرى أن النقد أصبح على قارعة الطريق يلتقطه غير ذي تخصص أو ممتهن، وهو ما يفسد الإبداع الذي تأسس منذ ما يقرب من 2500 م قبل الميلاد على وجه التقريب!

ولشدة تأثير النقد على الوجدان الجمعي وعلى الوعي العام وفي ظل إهمال الناقد الحر المتمرس والمتخصص قد عملنا على تأليف موسوعة نقد النقد بأجزائها الثلاثة بما يقرب من 1500 صفحة لتفسر تلك المدارس النقدية المتعاقبة وإلى أي مدى تتسرب إلى مناحي السلوك الحياتي وكأننا نخرج النظرية النقدية من منظورها في النص الأدبي إلى السلوك البشري العام، وذلك لأن فلسفة النقد هي ما تصيغ الإبداع الذي يصوغ بدورة الوعي الذي يشكل الرأي العام في نهاية المطاف.

لقد اهتم الأقدمون بالإبداع كونه كما أسلفنا صائغ تفاصيل النفس والذائقة والجوهر قبل العرض، ولذلك كان الفيلسوف أفلاطون، في نظرية (الجمهورية الفاضلة) يخشى على صياغة النفس وما يعتريها من تقلبات فكرية وسياسية ونفسية واجتماعية من تأثير الإبداع إذا ما فسد، في جمهوريته تلك، خوفا وقلقا على ما يتركه الإبداع في النفس من لين وقوة ومن أحساس ومتعة فيقول: "إن المبدع يعمل تحت تأثير قوة مهيمنة تحرك المشاعر كما يحرك حجر المغناطيس برادة الحديد، أي أنه قد يتعاطى ثقافة لا يفقه كنهها.. فهذه القوة تنتقل من المبدع ثم للمتلقي كما تنتقل قوة الجذب المغناطيسي من الحجر إلى قطعة الحديد إلى قطعة أخرى وهكذا أطلق أفلاطون على هذه القوة "لمسة الجنون المقدس" فهو يخافها حرصا على تكوين الوعي العام في بنياته المتعددة في زمنه ذاك الذي يضج بالحروب والفتوحات لدى اليونان القدامى؛ وكان بذلك يهدف إلى:

إرساء أسس مقاربة منهجية محددة صالحة للتطبيق على مجالات المعرفة كافة.

تحديد معالم نظرية التغيير والتقهقر البشريين.

تبرير جمهورية تتناسق مع نظرية عالم المثل.

فأفلاطون لم يكن مفكرا فيلسوفا فحسب، بل كان عالماً اجتماعياً يعي ذلك الدور المعرفي في الاتصال في دائرة اجتماعية ومعرفية متماسة، وبالتالي يدرك ذلك الدور الذي تلعبه الغربة المعرفية في إحداث فجوات في التلقي تدمر الثقافة نفسها والتي هي بدورها قائمة على الوعي سواء كان وعيا قائما أم وعيا محتملا أم وعيا متاحا، بما أن الفن والإبداع هو الوسيلة القصوى لتشكيل الوعي بكل صنوفه وألوانه. وفي هذا السياق فإن المعرفة والوعي والمتعة لم تعد فردية، بل أصبحت معرفة جماعية تتحقق، وهو أقرب للعدوى والأنس بالآخر وبأفكاره في المجتمع الواحد وفي زمن سادت فيه المعلوماتية التي تدعو إلى الاندماج، بالرغم أنها لم تتحقق له تلك الحالة الاندماجية بين ذواته مما يسفر عنه ثقافة التنمر والنزوح عن الذات وعن الهوية وبالتالي الاغتراب!

يقول علي نبيل في كتابه العقل العربي ومجتمع المعرفة: "تنزع معرفة عصر المعلومات إلى الجماعية، ويشهد على ذلك شيوع عدد من المصطلحات التي لم تكن تذكر إلا لماما فيما مضى، من قبيل العقل الجمعي، والذكاء الجمعي، والذاكرة الجمعية والوعي الجمعي والتعلم التكافلي، والتعلم المؤسسي، والإبداع الاجتماعي، والفن أيضاً الذي كان يزهو بفرديته وتفرده أصبح هو الآخر يمارس بصورة جماعية، فكثير من أعمال الإبداع الفني صارت تبنى من شظايا فنية، أدبية أو موسيقية أو تشكيلية، أو من موتيفات فنون الأداء الصوتي أو الحركي، تجمع من مصادر مختلفة، ليضطلع بمهمة إدماجها في عمل فني متسق، طرف أو عدة أطراف، تشارك في القيام به".

إن تشكيل الوعي لا يمكن أن ينتقل تلقائياً عبر الفئات الاجتماعية التي ولدتها، في صورتها الغفل، من دون تدخل نخبة ثقافية جادة قلقة منتجة متخصصة، تخلص هذه المعرفة الغفل من الشوائب الذاتية (الفردية) والتأثيرات الاجتماعية الضارة، فكان لا بد من تناول الآراء النقدية ودور النخبة وثقافتها في غزل نسيج الوعي والرقي بالذائقة، فمن دواهي هذا العصر يخال كل فرد منا أنه أصبح مبدعا وناقدا ومنظرا وعبقريا، لا يتقبل الرأي ولا النقد المتخصص حتى سادت الثغثغات واتسعت الترهات وفسد الفن ففسد المجتمع، وهي فاجعة من فواجع الثقافة والمعرفة العربية التي نحت نحو التنمر والقتل والإقصاء والاستئثار بالرأي وبالكلمة لأننا أغرقنا في الثقافة النقلية لسنين طوال دون إعمال العقل. لقد كان أفلاطون في نظريته تلك يؤمن أن العقل هو وسيلة الوصول للحقيقة القائمة على العقل فتتصف بصفتين هما: الصدق المطلق (فالعقل معصوم من الخطأ).. والثبات المطلق (فالحقيقة هنا لا تتغير ولا تزول) على حد قوله.. ومما سبق نستطيع القول: إن إهمال الناقد المحترف المتخصص وإفساح المجال في الوسائل الإعلامية والاعتراف بأنه الحكم الصادق الموضوعي، هو ما سبب تدهور الإبداع، فتخلخل الوعي واختلط الحابل بالنابل، لأن الفارق كبير بين الرأي الشخصي والنقد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.