.
.
.
.

ما الذي يفكر فيه جيل المستقبل؟

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

كنت أتوقع شخصياً أن يتيح هذا التطور للشباب مجالات أوسع للحوار وطرقاً أسهل وأسرع للنضج الفكري، لكن من وجهة نظري، لم ألاحظ هذا التغيير الذي كنت آمله، بل إن مستوى الشعور بأهمية القضايا المحلية تراجع، ومستوى التفاعل مع الأفكار الجديدة والاتفاق عليها أو حتى نقدها أصبح شبه معدوم..

كنت أتحدث مع بعض الزملاء حول كيف كانت حواراتنا في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وعن جدية تلك الحوارات، والتفكير في المستقبل الذي كان يشكل أحد الهموم الرئيسة لدى شباب ذلك الوقت. تطرق الحوار إلى الحركات الفكرية والسياسية والاجتماعية، وعن الأحداث الاقتصادية التي كانت تحرك أفكار العالم في ذلك الوقت. شخصياً تحدثت عن فيلم سينمائي شاهدته مؤخراً اسمه «الكتاب الأخضر»، الذي يتحدث عن جزء من حياة الموسيقي الأميركي الأسود «دون شيرلي» في مطلع الستينات الميلادية، قرر «شيرلي» أن يقوم بجولة موسيقية في ولايات الجنوب الأميركية المعروفة بعنصريتها الحادة ضد الملونين، وأراد أن يقوم بهذه الجولة كي يبعث برسالة مهمة لهذه الولايات، فاستعان بسائق أميركي أبيض من أصول إيطالية كي يكون مرافقاً له، أحداث الفيلم ذكرتنا بحركات التحرير والحقوق المدنية التي قادها في ذلك الوقت «مالكوم إكس» و»مارتن لوثر كنغ»، وكانت مدار حواراتنا في الثمانينات بالإضافة إلى العديد من القضايا التي كانت تشكل هموم ثقافية وسياسية ضالعة في الثقافة الإنسانية بشكل عام.

أحد الزملاء سأل سؤالاً مهماً هو: ما الذي يفكر فيه هذا الجيل وجيل المستقبل؟ والحقيقة أن هذا السؤال جعلني أفكر في الأسئلة التي تشغل أبنائي و»مجايليهم» وربما أحفادي في المستقبل، لقد وجدت أن القضايا الجوهرية التي تمس المسائل السياسية والاجتماعية تراجعت بشكل كبير، حتى أن أحد الكتاب السعوديين -لا أذكر اسمه- ذكر في مقابلة له أن هناك تراجعاً شديداً في كتاب الرأي في الصحف السعودية؛ لأن القضايا التي كانت تشغلهم تم حلها أو لم تعد مهمة، فإذا كان هناك تراجع في الحوار والكتابة من قبل كتاب ومفكرين محترفين لهم تاريخ وعاصروا القضايا الكبرى التي كانت تشغلنا، فما بالكم بهذا الجيل والجيل المقبل الذي سينشغل ربما في مسائل ليست مؤثرة ولا تحمل أهدافاً كبيرة، تذكرت في تلك اللحظة عبارة «إن ما يجعلنا نشعر بالحياة هو الأمل»، فما الذي يأمل أن يحققه الجيل المقبل؟ ورغم أن هذا التساؤل غير مبني على دراسة علمية لكنني شعرت أن الزملاء يتفقون حول ما آلت إليه الأمور من تسطيح وإشغال النشء بقضايا هامشية.

حدثت تحولات كبيرة في طريقة التفكير في القضايا الكبيرة منذ مطلع الألفية الثالثة، وعلى المستوى الشخصي كنت مراقباً لتأثير تطور الاتصالات المعاصرة ومن ثم دخولنا في عالم التواصل الاجتماعي وقبلها تأثير العولمة أو الأمركة كما يحلو للبعض تسميتها واختلاط القضايا المحلية بقضايا العالم، وانفتاح الشباب على الثقافات الأخرى، وكنت أتوقع شخصياً أن يتيح هذا التطور للشباب مجالات أوسع للحوار وطرقاً أسهل وأسرع للنضج الفكري، لكن من وجهة نظري، لم ألاحظ هذا التغيير الذي كنت آمله، بل إن مستوى الشعور بأهمية القضايا المحلية تراجع، ومستوى التفاعل مع الأفكار الجديدة والاتفاق عليها أو حتى نقدها أصبح شبه معدوم، حتى على مستوى الاهتمام التعليمي لاحظت خلال العقدين الأخيرين أن الجدية تراجعت لدى الطلاب، ولم يعد لديهم النفس الطويل للبحث ومناقشة القضايا الفكرية، وأستطيع أن أقول إن الأهداف الكبيرة تحولت إلى طموحات وظيفية ومادية.

أحد الزملاء لم يكن مقتنعاً بهذا الرأي، ويراه منحازاً ضد هذا الجيل الذي فتحت أمامه كل فرص المعرفة السهلة، وكان يرى أن كثرة المعلومات وتنوعها وتدفقها اللحظي ربما هو السبب في عدم التركيز الذي يظهر عليها الجيل المعاصر، وذكر لنا أن الدراسات تقول إن المعلومة أصبح عمرها يومين وبعض الأحيان ساعتين في وسائل التواصل والشبكة العنكبوتية، وتصبح قديمة بعد ذلك وقد تختفي، وهذا لا يتيح فرصة للحوار أبداً وتشكيل آراء جماعية يمكن الاتفاق أو الاختلاف حولها، وأن مفهوم الرأي العام تحول إلى رأي يتغير بشكل سريع، والتطور التقني لم يعد يتيح الفرصة لكثير من المداولات أو الإبقاء على قضية لفترة طويلة، ويبدو أن حالة عدم الاستقرار الفكري الذي يعيشه العالم ستستمر وقد تزيد في المستقبل، وأن المعرفة في حد ذاتها غير مؤثرة بقدر تأثير إيصالها في الوقت المناسب والبحث عن معرفة جديدة في الوقت نفسه.

أعود مرة أخرى لفيلم «الكتاب الأخضر» الذي أعاد لذهني الهدوء الذي كان يتصف به الجيل الذي سبقنا وجيلنا إلى حد ما، لأن زميلاً آخر قال: إن كل جيل ينتقد الجيل الذي يأتي بعده ويعتقد أنه جيل مستعجل، وذكر أن والده كان دائماً يقول له هذه العبارة. على أنني ما زلت أشعر بحنين للاختلاء مع الأفكار البسيطة والعيش داخلها، بدلاً من هذه المطاردة المتعبة للمعرفة الجديدة غير المؤثرة، وما زلت على قناعة أن تحقيق الأهداف الكبيرة لا يحتاج أن نتابع كل ما تبثه وسائل التواصل، فقليل من المعرفة مع التركيز والهدوء قد يصنع فرقاً كبيراً.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة