القراءة والشغف والتلمذة

عبدالله السعدون
عبدالله السعدون
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

لأنه من أسرة فقيرة قوامها أم أنجبت عشرة أطفال، وأب مريض يكدح لإعالتهم، لذا أوقف الطفل دراسته، وعمل في محل تنجيد الكتب وهو في سنّ الرابعة عشر ليسهم في إعالة أسرته. ففتحت له هذه المهنة الباب واسعاً ليدخل عالم الكتب ويشبع نهمه للقراءة، ويصبح من أهم علماء القرن العشرين في مجال الكيمياء، تأثر كثيراً بكتاب (تحسين العقل) تأليف القس إسحاق واتز، وفيه نظام للتعلم بصرف النظر عن المستوى العلمي أو الطبقة الاجتماعية، فعرف أنه لا حدود لنجاحه وطموحه، أحب هذا الكتاب وصار يأخذه معه أينما ذهب، وقرأه مرات عديدة.

ذلك هو العالم «مايكل فارداي» وتلك كانت بدايته المتواضعة، وقد ساعده على قراءة الكتب والاستفادة مما فيها عقل متوقد، وفضول لا يعرف الحدود، وأسئلة لا حدود لها يطرحها على من حوله. وقد شجع صاحب المتجر فارداي على قراءة الكتب التي في المتجر خارج أوقات الدوام، وفي أحد الكتب قرأ عن أحدث الاكتشافات في مجال الكهرباء فشعر فجأة أن هذا هو مجاله وقدره في هذه الحياة، وهو كشف أسرار الطبيعة ومحاكاتها. لكن امتلاك العلم والنبوغ ليس في القراءة فقط، بل في استيعاب ما يقرأ، وإجراء التجارب لإثبات صحة ما يقرأ، ورسوخ ما تعلمه كي لا ينسى، وهكذا بدأ تجاربه في الجزء الخلفي من المتجر، خطوات بسيطة وبداية متواضعة أخذت هذا الصبي إلى الطريق الصحيح ليصبح عالماً.

ولأن معظم العلماء من خريجي الجامعات في ذلك الوقت، وهم في العادة من أبناء الطبقة العليا، وهو ليس كذلك، فقد سعى لأن يُقبل ويعمل في أي وظيفة تتاح له في المختبرات والمعامل، حيث يمكن له التقرب من أصحاب الاختصاص، والمشاهدة وإجراء تجاربه إن سُمح له بذلك، كما حرص على حضور المحاضرات وتلخيصها، وراسل عالم الكيمياء «همفري ديفي» الأشهر في مجاله في ذلك الوقت، كان هذا العالم بحاجة إلى مساعد وخادم له في أسفاره فرضي فارداي بهذه الوظيفة المتواضعة حباً في التعلم من هذا العالم الفذ، وهو ما جعله يختصر الطريق إلى عالم الاكتشاف والشهرة، ومن أهم تجاربه التي أجراها وجلبت له الشهرة والغيرة في وقت واحد، تجربته في المجال الكهرومغناطيسي، وهو استخدام الكهرباء لتوليد حركة مستمرة، وهي المقدمة لصنع المحركات الكهربائية جميعها. تجربة بسيطة جداً وبإمكانات بدائية اكتشف منها ما جعله من أهم علماء القرن العشرين، واليوم يوجد الكثير من الشوارع والحدائق والمعامل في أوروبا سميت باسمه، وتأثر بسيرته وكتبه الكثير من العلماء، خصوصاً من كان في مثل بداياته، مثل: العالم والمخترع توماس أديسون الذي تأثر بكتابه الموسوعة «بحوث مايكل فاراداي التجريبية في الكهرباء. (كتاب الإتقان لروبرت غرين).

كل ذلك يقودنا للاستنتاجات الآتية:

أولاً: القراءة هي حجر الأساس والبداية الصحيحة لأكثر العباقرة والمخترعين والقادة والفلاسفة. من يتتبع تاريخ هؤلاء يجد أنهم يشتركون في هذه الصفة الرائعة «القراءة». إما لوجودهم في منزل يقرأ ويشجعهم على القراءة، أو لوجودهم في مدارس جعلت قراءة الكتب جزءَ مهماً من منهج تعليمها، أو لعملهم في مكان يتيح لهم القراءة كالمكتبات، أو العمل في الصحف والمجلات وتوزيعها. والقراءة وحدها لا تصنع العباقرة، لكنها تفتح الأبواب لهم على تجارب الآخرين، كما أن فائدة القراءة ليست في جمع أكبر كم من المعلومات، لكن التدوين وإجراء التجارب يرسخ المعلومة ويوضح فوائدها.

ثانياً: الشرط الثاني ليكون لدينا علماء ومخترعون هو التلمذة، علينا أن نستقطب أفضل العقول على مستوى العالم، كما يُستقطب اللاعبون لكرة القدم، ثم نوجد من يتتلمذ عليهم ممن تتوفر فيه الرغبة العارمة والشغف والجلد، وتتضح الحاجة إلى العالم المرشد في أنها تختصر التدريب، ويستفيد المتدرب من خبرات مدربه الطويلة التي لا تقدر بثمن، المرشد يبسط العملية ويقدم النصح والنقد والتقييم الفوري، وهذا هو ما يحتاجه المتدرب مما يختصر مدة التدريب، فالحياة قصيرة والسباق بين الأمم على أشده.

اليوم في المملكة لدينا جامعات كثيرة ومنها جامعات علمية مرموقة على مستوى العالم، كجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، والتي يوجد بها الأساتذة والعلماء من مختلف دول العالم، وبها أفضل المعامل الحديثة. ونحن اليوم بأشد الحاجة إلى إعداد جيل من النابغين الصغار، والمحبين للقراءة والمتوقدين ذهنياً ولديهم شغف وجلد ليصبحوا مكتشفين ومخترعين ومطورين للتقنيات الحديثة، بعد أن يتتلمذوا على أفضل العلماء الممكن استقطابهم، ثم تفريغهم للبحث وإجراء التجارب وربطهم بشركات التصنيع والتسويق، وهذه هي أهم مقومات اقتصاد القرن الواحد والعشرين وقوة الدول.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط