كأس العالم.. نهاية الهدنة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
إنها قسمة عادلة، فاز عدد قليل من البشر وهم لاعبو كرة القدم في المونديال بالمال والشهرة والتقدير وبعضهم بالتبجيل كمثل (ليونيل ميسي) في تلك الليلة، بينما عاش المليارات من المشجعين بلحظات إنسانية طيبة ومسالمة ورأينا العالم على مدار شهر وهو في حالة من المرح واللحظات العابرة من الفرح والحزن ودموع الأسى ودموع السعادة.
نعم تعيدنا كرة القدم إلى شيء يشبه طهارة العالم القديم حيث يتبارى الناس في الساحات كما كانوا يفعلون بعد مواسم الحصاد أو الأعياد.
اختفت تقريبا جميع الألعاب من ساحات العالم وبقيت كرة القدم في مربع أخضر بشباك أبيض تحمل بهجة كل الألعاب التي اندثرت، حيث يلعب 22 شخصا نيابة عن الملايين ينوبون عنهم في الحلم والانتصار والإصرار، ترى طفلا رخوا لم يبلغ الحلم وكأنه الذي سجل الهدف وترى رجلا مصابا بالسمنة يصرخ وكأنه الذي هرول بسرعة ميسي أو إمبابي، هل هي مجرد لعبه؟ لا أعتقد.
إنها هدنة مع العالم المتعب من الوجود البشري المثقل بالشقاء والأحلام المتعبة والإرهاق والأوبئة والفواتير المنزلية وجشع التجار وتلوث النسيم والضوضاء وصخب الحديد.
لشهر ونيف كانت الأعلام و الألوان، ترفرف مثل طيور في الأحلام الجميلة.
الأعلام التي تحمل علامات الحروب والأمجاد القاسية التي أزهقت أرواح ملايين البشر عبر التاريخ كانت ترفرف في لحظات من السلام والانتصارات التي يسيل فيها عرق الشباب، تبكي الجماهير في خلال 90 دقيقه أو تفرح ثم تنسى كل ذلك استعدادا للبكاء أو الفرح القادم عبر مباراة أخرى.
الانتصارات والهزائم تبقى لأيام ريثما تتفاعل مع المشاعر الداخلية لكل مشجع ثم تختفي، طوال لحظات الفرح أو الحزن في مباريات كرة القدم تزداد لحظات الحب لمن حولك ومشاعر التضامن والانسجام البشري، ريثما ينتهي كل ذلك ويعود العالم والبشر إلى حالتهم الطبيعية، يحبون أو يتعاطفون وفقا لظروف متفق أو مختلف عليها، لكنها ليست جماعية كما في ساحات الملاعب، منح الملايين من البشر لأنفسهم وأبنائهم أسماء اللاعبين الذين يحبونهم، الأب ميسي والابن ميسي والزوجة كذلك ميسي، لا يهم إن كان ميسي رجلا أو امرأة أو هو الأب والابن معا، انها احلام التعلق بالبطل. البطل الذي يركض بساقين نيابة عن ملايين السيقان، الذي يخفق قلبه نيابة عن ملايين القلوب
الذي يسيل عرقه نيابة عن ملايين الجباه، هل هذه هي هدايا لعبة كرة القدم وحدها؟
الملايين من فقراء الارجنتين سوف يشعرون بأن كل واحد منهم يمتلك 5 كيلوغرامات من الذهب هي وزن كأس العالم.
لن يبعها ليشتري الطعام او الكساء، أو حتى منزلا لو كان مشردا، سوف يحملها بين يديه، ليمول أحلامه الداخلية بالمجد والبطولة ويرفعه عاليا ويصرخ صرخة النصر، ما الذي تريد أن تقوله لنا تلك الأيام العجيبة لكأس العالم؟
ما الذي سيبقى من ذلك المهرجان الخرافي، الذي تتوحد فيه البشريه التي خلقت مقسمة ومختلفة؟
.. كان إمبابي بطلا أسطوريا، خسر الرهان، كان بالكاد يجر قدميه، حتى مَواساة أهم شخص في بلده وهو الرئيس لم تكن تعني له شئيا، ولم يستطيع أن يمنحه العزاء والسلوى، الزعماء الكبار كانوا مجرد ضيوف شرف في محراب البطولة والنزال، لشباب مجهولي النسب بعضهم ولد في أحياء فقيرة، وكانوا يركضون حفاة في الميادين الترابية، لكن زئير ملايين الحناجر كان من أجلهم، الزعماء أنفسهم قد منحتهم تلك اللعبة الساحرة فرصة التطهر من لقب الشخص المحجوب المهيب الأول، وتحولوا للحظات إلى بشر عاديين هم أيضا يحلمون أحلاما فردية هم أيضا منحوا سيقانهم وقلوبهم وأحلامهم بالنصر لمدة 90 دقيقة، إلى أحد اللاعبين، من أولاد الحواري الفقراء (إمبابي) الذي ولد لأم من الجزائر وأب من الكاميرون، وليس لديه رفات من الأجداد في تراب الجمهورية، لم يكن ذلك مهما، لم يكن فرنسيا، كان مجرد إنسان جدير بحمل أحلام الجماهير بالنصر والمجد، مثل ميسي الذي لم يكن أرجنتينيا في تلك الليلة ولكنه كان إنسانا تمنى له الملايين أن يكون بطلا، حتى الفرنسيون عندما تعبر لحظات الحزن ستعود وتفرح مع ميسي مرة أخرى، لأنه استحق أن يكون بطلا منتصرا في معركة مرحة على كرة من الجلد أو البلاستيك منفوخة بالهواء.
المشاعر القومية لن تخلد في تلك الظروف ستبقى مشاعر العدالة الإنسانية وهي أبدا تمنح الحب والتقدير إلى الشخص المُخلص الذي يسعى لتحقيق الهدف بجد واجتهاد.
أما نحن الملايين من أبناء هذا الوجود سوف نخلد إلى النوم الهادئ بعد هدنة لشهر كامل من العالم المسور بالحدود القاسية ومشاعر الزعماء المكدودة في النزاع الذي لا ينتهي على المجد والنصر، والموارد والتحالفات من أجل الاستحواذ والثراء .. ذلك النزاع الذي نعرفه جميعا وأنتج لنا تلك الأعلام التي نلوح بها في ساحات الملاعب.
لكن قبل أن نفيق من الحلم سوف نعيش لأيام مع لحظات العناق للبطل بين ميسي وزوجته
كان ذلك أثمن لديه من ميدالية ذهبية وأثقل من جبال الذهب، أما قبلة المغربي (أشرف حكيمي) على رأس أمه الطيبة فهو الكأس الذي رفعته جميع القلوب، الكأس التي ليست لديها وزن لأنه أكبر من الأحجام المعدودة فهي كأس المحبة.