التطرف المتكرر
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يبدو أنه كلما هدأت الساحة العالمية، ومضت إلى هدنٍ مطولة بين الأمم والحضارات، يأتي من يشعل الساحة بكل تعصب وتطرف، ونبذ للقيم الإنسانية التي يسعى الجميع إلى أن تسود في عالم أصبح عبر تواصل ثقافاته أقرب إلى ما يكون بقرية صغيرة متفاعلة من خلال وسائط التقنية ووسائل الاتصال الجديدة.
إن إقدام المتطرف السويدي على إحراق المصحف الشريف يأتي ليروج للكراهية والعنف مرة أخرى، وهو بمثابة فعل من أفعال التطرف المتكررة التي تظهر ضد الدين الإسلامي وضد كتابه الكريم الذي يحمل عقيدته، وثقافته ومبادئه.
ويشكل هذا الفعل كذلك صورة من صور عدم احترام مقدسات الشعوب وعقائدهم وأديانهم ، والوقوف ضد مبادئ التسامح والتعايش، مما يجعل الأمر على هذه الصورة وكأنه يُدار من قبل ما يمكن تسميته ب" مافيا التطرف" التي قد تكون منتشرة حول العالم، خاصة في الغرب، وتديره أحزاب أو جمعيات أشد عنصرية وأشد تطرفا مما تدعو له المبادئ الرسمية الدولية.
فعلى الرغم من أن المجتمع الدولي المتشح بعناصرالثقافة الغربية ومبادئها الداعية لقيم الحرية والعدالة والمساواة والتحضر يدعو دائما للتسامح ونبذ الكراهية والعنصرية، وعلى الرغم من أن مبادئ الأمم المتحدة بمختلف هيئاتها ، تدعو إلى إقامة المجتمعات المتحضرة المبنية على احترام حقوق الإنسان، واحترام ثقافات الشعوب وتاريخها، وتراثها وثقافاتها وعقائدها، واحترام مختلف الأديان، إلا أننا نجد أن بعض المتطرفين هنا وهناك، بل وفي الغرب المتقدم الذي قطع أشواطًا هائلة صوب الحرية والإخاء والمساواة، وصوب احترام القيم والمثل الحضارية والدينية للشعوب من يقدم على فعل شديد التطرف والتعصب تحت حماية أمنية وسياسية، وربما بمباركة قانونية تحت مسمى: الحريات الشخصية.
قد تمس الحريات الشخصية ما هو شخصي بالفعل، من تعبير عن رأي أو حرية الكتابة والإبداع، أو حرية اختيار المسكن والمأكل والملبس، واختيار العمل الوظيفي، لكن حين يتم التعرض للأديان والمقدسات فهذه لا علاقة لها أبدا بالحرية بل لها علاقة بالخروج على مبادئ الأمم المتحدة، وقيم المجتمع الدولي.
إن القرآن الكريم هو منبع رسالة سماوية، وهو باق أبد الدهر، ولن يضيره فعل من أفعال التطرف، كتمزيقه أو حرقه مثلا، فهذه الحادثة ربما تكررت في حقب تاريخية من قبل، وقد تتكرر اليوم ، ولكنه ظل محفوظا في صدور المسلمين والمؤمنين منذ نزوله على خاتم الأنبياء والمرسلين النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم) ، وظل محفوظا عند جمعه وتدوينه ، وظل محفوظا في عصر الطباعة، وفي عصر بناء الحضارة الإسلامية على مدار التاريخ، والله تعالى يقول في محكم آياته: ( إنّا نحنُ نزّلنَا الذّكْرَ وإنّا له لحافظون) . ( سورة الحجر . آية 9)
هذا القرآن العظيم الخالد ليس مجرد كتاب يحرق أو يمزق، ولكنه عنوان أمة ، وعنوان رسالة سماوية، ولن تستطيع مافيا التطرف أن تزيله من قلوب المؤمنين به في أي عصر من العصور.
إن مافيا التطرف التي تعمل على إشعال الفتن، وإشاعة الكراهية والعنف، ربما تكون هي أول من تكتوي بهذا الصنيع، فكل فعل – كما يقول فلاسفة أوربا- له رد فعل، مساو له في القوة ومضاد له في الاتجاه".
إن العالم الإسلامي يسوؤه هذا الفعل اللا مسؤول، وعلى اليقين إن أوروبا الرسمية لا تسمح به، لكن مع ذلك يظل العالم الإسلامي يدعو إلى احترام الأديان ونبذ التعصب والتطرف والعنف، لا من أي مبدأ آخر سوى المبدأ القرآني نفسه الذي ينبني على الآية الكريمة : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ( سورة الأنبياء آية 107).