السعودية وريثة الحضارة العربية والإسلامية

صالح بن عبدالكريم الشمري
صالح بن عبدالكريم الشمري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط
4 دقائق للقراءة

تشكل الثقافة في عالم اليوم ركنا جوهريا من الأركان الراسخة لدى الأمم والشعوب، فهي الصورة الأبرز للهوية حيث تعبر عن منظومة القيم والمبادئ والعادات والتقاليد والآداب والفنون المتنوعة، ولذلك فهي تبرز شخصية الأمم وتغدو العنوان الأول للتعرف بها وبملامحها الإنسانية.
ولكل بلد في العالم ثقافته وقيمه التليدة العريقة التي يحافظ عليها، ومعها يشكل علاقاته الاقتصادية والسياسية والتجارية بل والرياضية مع البلاد الأخرى.
وتؤذن الثقافة بمفهومها الشامل بوضع الأسس المبدئية التي نتعرف بها على شعب من الشعوب، فحين نريد التعرف مثلا على دولة آسيوية أو إفريقية أو دولة من دول أمريكا اللاتينية نعود في التو إلى ثقافتها فالجغرافيا والتاريخ وحدهما لا يكفيان.
وقد توارثنا في ثقافتنا العربية والإسلامية تاريخًا مجيدًا ينطوي على كنوز معرفية متعددة، تماهت مع بنية ثقافات عالمية بالأصل خاصة مع عصر الفتوحات الإسلامية التي امتدت في أرجاء المعمورة، ولذلك فهي ثقافة عالمية كونية لا تخصنا وحدنا كعرب ومسلمين بل تخص البشرية .
ولعل المملكة هي البلد الأول الذي يشار له بالبنان في امتلاكه واحتضانه هذه الثقافة العالمية العربية والإسلامية، فهي وريثة الحضارة العربية الإسلامية التي نشأت على أرض الجزيرة العربية، وهي تحتضن الحرمين الشريفين في أطهر وأعمق مدينتين بالعالم : مكة المكرمة والمدينة المنورة، فضلا على احتضانها فن العربية الأول : الشعر العربي.
ولهذا فإن التعامل مع الثقافة السعودية هو تعامل مع هذه الامتدادات الثقافية العربية والعالمية، وهو الأمر الذي يتطلب فكراً رحباً راقياً وواسعاً يستطيع تمثل مختلف هذه العناصر الثقافية، ويعرف كيف يحولها إلى ثقافة كونية في عالم اليوم، باعتبار أن الثقافة هي القوة الناعمة التي تمثلنا وتصلنا بمختلف الثقافات العالمية.
وعلى ذلك، يجب أن نعمّق هذه الرؤية ببصيرة، لتنهض استراتيجيتها الثقافية على إيصال هذه الثقافة النوعية العالمية بمختلف عناصرها ما بين ندوات دولية ومعارض مدهشة في مؤسساتنا داخل المملكة وخارجها وفي مراكزنا الثقافية ومكتباتنا لكل ما يتوفر جمعه لقصص أبناء هذه الأرض العظيمة ومن عاش عليها ولرحلات المستشرقين التي طافت بأرجائها، وتنشيط الوعي الثقافي الوطني بأهمية المنافسة الثقافية النوعية مع دول المنطقه والعالم، ومن شواهد ذلك عندما أبرزت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة مواد بصرية إبداعية ومحتوى ثقافيا للمنمنمات الإسلامية التي تمتلكها وتم انتشارها بشكل هائل، أعلنت دائرة الاتصال في الرئاسة الجمهورية التركية، بعدها بأربعة أيام عن تنظيم معرض بارز للمنمنمات في إسطنبول، وهذا ما يؤكد أهمية التنافس الثقافي واسبقية احتضان المشهد وتفعيله للصالح الوطني، فضلاً عن السباق على المكانة التاريخية الأشمل في ذهنية المجتمعات وأفرادها .

ومن الأمور البارزة التي قامت بها المكتبة أيضاً وكانت ملفتة، معرضها للمصاحف الشريفة المخطوطة الذي حظي باهتمام إسلامي ودولي ، وجاء كرد ضمني مباشر على حادثة إحراق المصحف الشريف بالسويد التي قام بها أحد المتطرفين. وشكل حدث إقامة هذا المعرض بالرياض صورة مشرقة لما يمكن أن تقوم به الثقافة في عالم اليوم من تنوير وإيصال للرسالة الثقافية بشكل عملي.

إن وعينا بثقافتنا هو الأهم اليوم، وينبغي أن يكون وعياً متطوراً حيوياً يلامس ما يدور باللحظة العالمية الراهنة من تقنيات تطويرية ومن إيصال للرسائل الثقافية بشكل نوعي يخاطب العالم بقدرتنا الثقافية وما تنطوي عليه من مخزون ثقافي هائل، يعزز الدور الريادي للمملكة في قيادة العالم العربي والإسلامي، ويحفز حضورها العالمي وهي أحد أعضاء مجموعة العشرين العالمية، كما يستلهم ويستند على رؤية المملكة 2030

وهذا الدور لا يحتاج بالضرورة هذا البعد الأكاديمي الذي قد يعطل بتردده ونظرياته قدراً كبيراً من مساحات الفعل الثقافي، فالنظرية الأكاديمية غالباً ما تكون جامدة، وتعاني من التردد، والقياس على أمور نظرية غير مجربة في واقع الحياة والمجتمع، ولهذا فهي تعطل الجانب الحيوي الذي من المفترض أن تتمتع به الثقافة.
إن الواقع الثقافي في المجتمع شيء، والرؤى الأكاديمية شيء آخر، لأن حيوية الواقع تتجاوزها دائماً، وتعمد الثقافات العالمية إلى الاستعانة بخبراء ثقافيين مارسوا التجربة بالواقع دون شرط الاعتماد على الجامعات والأكاديميات المشغولة بتدريس المناهج التي قد تكون بالية وعتيقة ولا تتناسب مع توهج المرحلة وتطورها.
إن ثقافتنا في حاجة لأفق حيوي أكثر يصلنا بالعالم بشكل كبير، فيما ينشط داخليا لجذب مختلف شرائح المجتمع وتنويرها في عصر لم يعد يحتفي بالتنظير الأكاديمي الذي قد يأخذ وقتا طويلاً لاستيعابه أولاً، ووقتاً لتطويره بما يتناسب والمتغيرات الحادثة ثانياً، ووقتا لتطبيقه ثالثاً، بل يحتفي بالتوهج المجتمعي المتوائم مع لحظته وإثراء الوعي الإنساني بكل جديد ومتطور.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.