الثورات العربية وملحقاتها

ملحة عبدالله
ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00

لم يعد بخاف على أحد ما آل إليه حال كل بلد عربي بداية من العراق مروراً بسوريا واليمن وليبيا وها هي السودان تشتعل، فكلما أطفئت نار في بلد اشتعلت في بلد آخر وكأن مخالب الذئب لاتزال ناشبة في جسد الفريسة، ولن يتم تدارك ذلك سوى بالوعي التام لمجريات هذا المشروع المدمر على الفرد قبل الجماعة..

لم تكتمل فرحة العيد بين سكان الوطن العربي إزاء ما يكتنف وطن عربي شقيق وشعب مسالم ساكن، ينتظر عيد فطره واكمال ركن من أركان عبادته في ليال عشر أقسم بها الرحمن جل وعلا في كتابه الكريم. حرب بين طرفين لا يعبآن بما سيؤول إليه حال شعب ليس له فيها لا ناقة ولا جمل كما يقال. فهل هذا هو اكتمال مسيرة مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي قال عنه الكاتب يحيى الأمير: «سيظل أسوأ مشروع سياسي عرفته المنطقة هو مشروع الشرق الأوسط الجديد، على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس العام 2006» وظهر بعد ذلك في دراسة نشرها رالف بيترز بعنوان: حدود الدم، في مجلة القوات المسلحة الأمريكية، وأصبحت الدراسة بعد ذلك جزءاً من كتابه الشهير: لا تترك القتال أبداً.

قوى الفوضى الخلاقة وآلام الولادة الجديدة والتخلص من الحدود التي رسمها الأوروبيون الجشعون وغيرها من التوصيفات المريعة التي اكتظت بها نظريات الشرق الأوسط الجديد. الفوضى هي التي ستصنع التغيير.

لم نكن لنشهد هذه الهزات العربية في محيطنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي لولا ما يدعى بالثورات العربية ؛ والتي استغلت فيها كثيراً من المخططات لهدم الهوية والقومية والوحدة المجتمعية وذلك لم يكن بخاف على أحد. لكن ما يدعو للغرابة والدهشة الشديدة هو ذلك الاستمرار في إحداث هذه الأعاصير المدمرة لبلادنا العربية عن طريق جماعات أو مؤسسات أو حتى أفراد، بالرغم مما كُتب وما تم من دراسات ومقالات لإيقاظ الوعي العام. ولا نعلم إن كان ذلك بوعي تام أم بلا وعي لما تجره علينا وعليهم وعلى المحيط العربي مؤسساته قبل أفراده.

وقد لا يعي الفرد العادي بمحاصرة الأخطار له فرداً وجماعة من تبعات هذه التشنجات غير المسبوقة والدائرة لا تزال تدور! وقد أقيمت دراسات محكَّمة في هذا الشأن لتقصي هذا الأثر والتنبيه إلى مخاطرة فعلى المستوى الاقتصادي توصلت أحلام بوعزازة في بحثها إلى أن «المنطقة العربية شهدت ومازالت تشهد تطورات اقتصادية واجتماعية وسياسية متسارعة وعميقة، غيرت ولاتزال تغير في معالم الصورة الاجمالية والتفصيلية للدول، حيث تمر معظم بلدان المنطقة بفترة تغير غير مسبوقة، إذ إن التحولات السياسية والمطالب الاجتماعية الملحة والبيئة الخارجية المعاكسة، قد تضافرت لزيادة المخاطر التي تهدد استقرار الاقتصاد الكلي في المدى القريب رغم الجهود المبذولة لاحتواء الوضع».

نحن بدورنا نقوم بالتقصي والتنقيب عن مدى هذا السفه الذي تقوم به مجموعات من أصحاب المصالح أو الممولين أو حتى غير المدركين للعواقب على أقل تقدير، وكأنهم هم أوصياء على مصالح الشعوب متخذين لأنفسهم هالات إعلامية مقيتة مغيَّبة عن الوعي أو ما أدراك بالوعي الذي يكتنفهم، متجاوزين حدود الوطنية والمواطنة جاعلين أنفسهم رقباء ومنافحين، غير مدركين للخرائط الذهنية التي يتقلبون فيها مما شكل خطراً فادحاً على هويتنا واقتصادنا واستقرار بلادنا حتى أصبح كل فرد منا يتقلب بين أزمات تترى ليس على مستوى الدول العربية ذاتها فحسب وإنما على مستوى الفرد الواحد منا!

إن متطلبات الوطن وحماية الهوية العربية وبقائها ومصلحة الفرد قبل الجماعة لا تتطلب الجهاد وحمل السلاح للمتشدقين بحب الوطن والولاء له بقدر ما ينظر كل في نفسه، فالوطن ما هو إلا المكان الذي أقام به، سكَنه وألِفه واتَّخذه وطَنًا كما ورد في معجم المعاني؛ لكنه في مصطلحه يعني بمكان الإنسان ومحله. عبارة عن المكان الذي يرتبط به الشعب ارتباطاً تاريخياً طويلاً. المنطقة التي تولدت فيها الهوية الوطنية للشعب، فهو الوطن الأصلي هو مولد الشخص والبلد الذي هو فيه. وبناء عليه يتوجب الوعي الفردي الذي ينمو للوعي الجمعي حتى تتشكل الهوية والوطنية والاستقرار والنماء.

وبناء عليه توجب على كل فرد أن يدرك بوعي تام ماهو مصير تلقي أفعاله حيال ذلك من هؤلاء المتذمرين والمتشدقين باسم الوطن بلا وعي أو حتى نزاهة منذ أن ظهر مصطلح الشرق الأوسط الجديد، الذي بدأ ببنود واضحة وجلية، إذا ما قرأناها في دستوره الصادر في أوائل هذا القرن، والذي كتبنا عنه كثيراً منذ شهقته الأولى عام 2006 على وجه التقريب مما أحدث كثيرا من التحولات.

إن لهذا المشروع أهدافاً وتأثيرات تبلورت فيما يسمى بالربيع العربي كتطبيق للنظرية ولتحقيقها (الفوضى الخلاقة)، ولذلك قامت دراسة أكاديمية محكمة للباحثة سارة عبدالرحيم الطاهر بعنوان «أثر التحولات السياسية في الوطن العربي علي الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط» وفيها توصلت الدراسة إلى «أن الغرض الغربي من إقامة النظام الشرق الأوسطي هو نزع الهوية القومية من الوجود العربي، وتحويل المنطقة إلى مكان لشعوب شتى تجمعها هوية إقليمية ومصالح مشتركة، بتأصيل إسرائيل عضوا طبيعيا في المنطقة. وأن التدخلات الخارجية وتحالفات دول الإقليم الخارجية تمثل عائق أمام قيام نظام إقليمي فاعل».

وفي نهاية المطاف علينا أن نتأمل مليا أحوالنا كأفراد وجماعات وأوطان ودول قامت على الترابط والإخاء والتكامل الذي أساسه الهوية بمقوماتها العقائدية والاجتماعية العرفية منها والدستورية، وكيف تحولت المعايير وكيف تأثرت وعلام أصبحت؟

لم يعد بخاف على أحد ما آل إليه حال كل بلد عربي بداية من العراق مرورا بسوريا واليمن وليبيا وها هي السودان تشتعل، فكلما أطفئت نار في بلد اشتعلت في بلد آخر، وكأن مخالب الذئب لاتزال ناشبة في جسد الفريسة، ولن يتم تدارك ذلك سوى بالوعي التام لمجريات هذا المشروع المدمر على الفرد قبل الجماعة، حفظ الله وطننا العربي وأنقذ شعب السودان وطن عربي أبي نعتز بعروبته.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط