الكوميديا.. ورمزية المحاورة!

أمجد المنيف
أمجد المنيف
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00

يعتقد كثيرون بسهولة الكوميديا، غير أني أجدها من أصعب الفنون، سواء كانت محكية أو كفن احترافي؛ والسبب يعود لوجود بعض الاشتراطات، منها: الذكاء، الخلفية المعرفية الشمولية، استيعاب السياق وتحديثاته، سرعة البديهة، فهم المتلقي والآخر، والقبول.. قبل كل شيء.

الشروط المذكورة آنفًا، لا أعتقد أنها تختلف كثيرًا عند الحديث عن فن المحاورة "الحديثة"، الذي يشتهر بوصوفات مختلفة، فيسمَّى أحيانًا بالردية أو القلطة. وقد بدأ بالتنامي والانتشار أكثر في الفترة الأخيرة، بفضل التقنية وتداول المقاطع المرئية، واسترجاع القديم منها في الوقت نفسه.

أمَّا المحاورة الأصيلة أو الأصلية، فهي فنٌّ (جاد)، تتطلب سرعة البديهة العالية، والتمكن التام من أدوات الشعر.. الوزن والقافية والبحر وغيرها. تزداد صعوبتها لكونها حادة ومباشرة، وهامش الخطأ فيها "صفر"؛ لأن حدوثه أشبه بالضربة القاضية لأحد المتحاورين. هذا الأمر، وغيره، صعَّب على الهواة طرق هذا الفن من أنواع الكلام الجاد، وأظنه السبب الرئيس لبزوغ المحاورة الحديثة الخفيفة، التي تعتمد على التسلية غالبًا.

ولمن لا يعرف فن الردية، فويكبيديا تعرِّفه على أنه "كلام موزون مقفَّى، له معنى يُنشد ارتجالاً بين اثنين على الأقل، ويعتمد على الفتل والنقض في حينه"؛ أي أنه شعر الموقف، يشبه الشعور والحالة، ويعبر عن المحيط الآني من شاعر ومناسبة وحضور، ويعتمد على الثقافة الجمعية التي تستوعب كل ما سبق، في سياق كوميدي في أغلب الأحايين.

باعتقادي إن فن شعر المحاورة لم يأخذ حقه من الاهتمام، ولا يزال يمارس كهواية، أو كجزء من مناسبات خاصة، بينما هناك فرص لتطويره وتعليمه، وتصديره أيضًا. مع ضرورة التأكيد على البعد عن المحاورات المعتمدة على النعرات القبيلة والشتم والسب والذم المباشر، وما يقال له "نزول"، ويُعرف بالمحاورة الفضولية.

تطويره بوابة تمدده، وتعليمه يمنح الفرصة للأجيال الحديثة لتعلمه.. ومع الاهتمام قد تنشأ أفكار غير مطروقة، وأفرع لم يسبق لها أن نبتت، أو ولدت سابقًا ولم تجد الاهتمام. كما أن التطوير يوصله بالتأكيد للتهذيب، ووضعه في قوالب تنظيمية، تضمن عدم خروجه عن السياق، أو استخدامه لأهداف غير مشروعة.

من أهم ما يجب العمل عليه هو التوثيق، سواء فيما يتعلق بتفاصيل هذا الفن ورموزه، أو للشعر المرتجل في وقته. محدودية المراجع تؤكد الحاجة للأرشفة، وبناء مكتبة من المراجع الموثوقة، بعيدًا عن الروايات المنحازة، أو المتأثرة والمتغيرة وفقًا لظروف عديدة.

أكثر ما يلفت انتباهي في هذا الفن هو الترميز؛ أهله يعرفون هذه المهارة بـ"دفن المعنى"، ويقصدون بها التورية أو "التشفير"، ويمكن وصفه بـ"غموض العامة".. وشخصيًا، أجد هذه الفكرة تأتي من أعلى قمة البلاغة، وهنا يكمن التميُّز. والسلام..

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط