عزلة التواصل

نبيلة حسني محجوب
نبيلة حسني محجوب
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

كنا نتحلق حول الشاشة الفضية، في كل الأوقات والأحداث والمناسبات. كان التجمع بحد ذاته متعة؛ لأن بعض الأخبار أو الأحداث والبرامج الحوارية أو المسلسلات، تفتح مجالاً للحوار والنقاش والتفاعل؛ مهما كان اتجاه الحوار أو الحدث أو الجدال، فهو بحد ذاته إيجابي؛ لأنه يُحدث حراكاً ذهنياً، ويفرغ شحناً نفسياً، ويثري معرفياً، حتى لأولئك الذين يعتمدون اعتماداً كلياً على التلفزيون في استقاء معلوماتهم، يمثل بالنسبة لهم ثقافة.

أصبحنا مرتهنين للعزلة، بل تفرق جمعنا، وانزوينا في زوايا الغرف بعد تفشي وسائل التواصل الاجتماعي وقنواته، واقتناء الأجهزة الذكية من هواتف وغيرها!.

ربما في بداية الأمر، كان عمل صفحة على الفيسبوك مدهشاً، والانضمام إلى مجموعة على الواتس مفرحاً، كذلك بالنسبة لتويتر سابقاً، ولا زلنا نطلق عليه ذلك حتى بعد استقرار مسماه الجديد «إكس»، وانستغرام، ثم سناب وتيك توك، كان مجرد الانضمام إلى إحداها أو إليها جميعاً مثيراً، ويشعرك أنك مطلع وذو خلفية تواصلية متينة مع العالم الافتراضي، لكنك لا تفطن أنك تبتعد عن أحبتك وأهل بيتك، أنك أصبحت في معزل عما يدور حولك.

افتقدنا كثيراً متعة مشاهدة التلفزيون الوحيد في غرفة المعيشة، افتقدنا أيضاً قراءة الصحيفة الورقية مع قهوة الصباح، نقرأ الأخبار من مصدر موثوق، المقالات والتحقيقات، حتى إلقاء نظرة على الكاريكاتير، كان ضمن العادات التي فقدناها وافتقدناها نتيجة هذه الإحداثيات التي لم نتمكن من مقاومتها، أو التوازن في التعامل معها، نجحت في اختطافنا من كل عاداتنا الجميلة، علاقاتنا اجتماعاتنا الأسرية، رسخت بيننا العزلة والفردية، كل فرد منّا منكفئ على جهازه، وربما يغلق أذنيه بسماعة تعزله عن محيطه وما يدور حوله، بينما ينصت لعوالم أخرى «افتراضية»!.

مرت بخاطري كل تلك الأفكار وأنا أتابع ما يحدث في غزة، وما حدث قبل ذلك من كوارث طبيعية في تركيا والمغرب وليبيا، وأنا أتابع كل ذلك من جهاز الهاتف، أو اللاب توب الموصول بجهاز التلفزيون، أو مشاهدة قنوات الأخبار على قناة يوتيوب مثلاً!.

تذكرت الأحداث الكبرى التي عايشناها من خلال الشاشة الفضية؛ الحرب الإيرانية العراقية، غزو الكويت وتحريرها، أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها، غزو أفغانستان، غزو العراق، أحداث الربيع العربي وتداعياته. خلال كل تلك الأزمات العربية كنا لا زلنا نشاهد الأخبار والبرامج وكل ما تعرضه قنوات التلفزيون في معظم الأوقات، مجتمعين. نفر القنوات وصفحات الصحف، نتحاور، نتفاعل، نتجادل، لكننا نتواصل، (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر).

أجل ربما أنتم أيضاً تفتقدون تلك اللحظات التي تتبادلون فيها متعة المشاهدة، سواء كان حزناً أو فرحاً، أو أنكم تفرغون شحنات الغضب، أو تتبادلون تلك الحوارات والنقاشات التي تضعكم في قلب الأحداث، وتضيء لكم جوانبها، تظهر لكم حقائق، وتشرح غوامض، تشبع شغف المعرفة في نفوسكم بالحب والاحتواء، لأنكم بين الأسرة، لا الغرباء الافتراضيين!.

في الحقيقة أدرك تماماً بأن الزمان لا يتقهقر، وأن ما فات قد مضى وانقضى، وأننا في عصر مختلف تمكنت فيه الأجيال من التعامل مع مستجداته، حتى نحن الجيل القديم الذي أدمن تلك المتع، ووجد نفسه يتخلى عنها شيئاً فشيئاً حتى غادرها نهائياً وبلا رجعة، لكنه الحنين الذي يصاب به كثيرون من جيل أو من أجيال سابقة أو لاحقة، تجد نفسك فجأة تمر بمثل هذه اللحظة، لكنه حنين يمر هو أيضاً، يمضي، يتشظى على أعتاب الواقع، ونعود لممارسة شغفنا بعزلة التواصل الافتراضي التي يشكو منها الجميع، ولكن لا يملك أي منّا القدرة على التخلي عنها أو مغادرتها!.

أترككم مع عزلة التواصل مشمولين بالوحدة.

نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط