زيادوف.. الغنيمة الأخيرة!

معاوية الأنصاري
معاوية الأنصاري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

في الساعة الأخيرة من معرض الرياض الدولي للكتاب قبل نحو شهر من الآن، ساقتني "متاهاته" المتداخلة إلى حيث دار مدارك الشهيرة، التي لطالما تموضعت في أبرز أنحاء المعارض السابقة، قبل أن تفقد تلك الميزة كما غيرها من الدور الشهيرة التي تناثرت في جنبات النسخة الأخيرة وذابت وسط نحو 1800 دار نشر ومكتبة، وذهبت ضحية التصميم المعقد للمعرض كما اتفق على ذلك غالبية الزوار.

من بين مئات الكتب في "مدارك" لمع عنوان "زيادوف" أمام عيني ربما لسببين الأول عنوانه الغريب والثاني حجمه اللافت، وفور وقوع نظري على اسم مؤلفه زياد الدريس قررت اقتناءه فورا ضمن مجموعة مشتريات من الدار ذاتها، إلا أن سعره جعلني أتردد قليلا خصوصا بعد فشلي في مماكسة البائع الذي حاولت عبثا إقناعه بعدم منطقية السعر المقرر لحجم هذه النوعية من الإصدارات المعروفة بـ "كتب الجيب"!

ورغم هذه المحاججة العبثية إلا أن الكتاب وجد طريقه بين مختاراتي المتنوعة من المعرض، وفرض نفسه كأول المقروءات من بين تلك الكتب، بسبب حجمه الصغير؛ حيث اعتدت الاحتيال على تنشيط المزاج القرائي بالابتداء بالإصدارات الطريفة وذات الحجم الصغير، والكتابة عنها قبل الانتقال لغيرها.

"زيادوف" عنوان نحته زياد الدريس من اسمه الأول مخالفا الطريقة الروسية في إلحاق "اوف" بآخر أسماء العائلات؛ في إشارة لطيفة لامتلاك الكاتب لوجهة نظر مستقلة حيال التجربة الروسية التي هو بصدد الكتابة عنها بعد أن أمضى شطرا مهما من عمره مشتغلا بها، وعاكفا على الارتواء من مناهلها الثرية، على خلاف من اعتاد الاغتراف من الآخر دون وعي أو قدرة على صياغة رؤية متزنة تفيد من ثقافات ومعارف الأمم وتعيد إنتاجاها ومعالجتها بطريقة مستقلة، ربما يعود السبب في هذا الجانب لـ "الدراسة في دول الابتعاث غير المعتادة" كما يقول الدريس حيث أتاح له هذا التمايز إعادة التموضع ثقافيا ومعرفيا تجاه رؤيته للمنطقة والعالم.

الكتاب في نصفه الأول يخطف قارئه من متكئه ويطوف به في درجات حرارة منخفضة جدا بين الساحة الحمراء وقصور الكرملين ومجلس الدوما، مرورا بجادة ستاري أرباط العتيقة ومسرح البلشوي، وعروض الباليه الموسيقية الصامتة.. في رحلة شيقة مفعمة بالأحداث والمفارقات الطريفة تقدم لمحة موجزة حول تجربة العيش في روسيا مدة عقد كامل صادف مطلع القرن الميلادي الجاري.

فيما جمع في نصفه الأخير مجموعة من المقالات والأوراق العلمية التي شارك بها الدريس في مناسبات مختلفة تدور في مجملها حول العلاقات العربية الروسية مع الدفع تجاه تنشيطها والانفتاح تجاه بلاد ديستوفسكي التي لا تبعد سوى سويعات معدودة عن عالمنا ومحيطنا الإقليمي.

دعوة الدريس تلك تبدو مهمة وأكثر إلحاحا من ذي قبل خصوصا في الظرف السياسي الحالي الذي أضحت فيه الاصطفافات أكثر تأثيرا على مسارات الأحداث والقضايا العالمية المتجددة.

أخيرا تبقى الإشارة إلى أن "زيادوف" أقرب ما يكون لمجموعة مقالات تحت وحدة موضوعية مشتركة تتناول ذكريات وآراء الدريس حول روسيا في قالب أجناسيٍّ هجين يجمع بين الكتابة المقالية والسير الذاتية يمتاز بالرشاقة والخفة على المستويين الصياغي والأسلوبي إلى جانب الإمتاع والثراء لغةً ومعنى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط