مصيبتنا في المسرح اليوم

ملحة عبدالله
ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00

إن كل ما يكتبه الكاتب المسرحي من علامات وتوصيف مناظر ولغة وكل ما يتضمنه عمله يحمل لنا عالماً من الدلالات والرموز التى يجب علينا فهمها؛ لأنه وهو يكتبها يعلم ماذا يفعل وماذا يكتب وماذا يقصد، ولذلك فإنه يتوجب علينا إيجاد تلك الصفة الحيوية بيننا وبين الكاتب، هذا (التغاير الحيوي) هو ما يخلع على العمل بهجة ومتعة وحيوية..

لماذا تبدو لنا الأعمال الفنية باهتة في زمننا هذا؟! سؤال حير الكثير من المنظرين والباحثين! ولعلنا نعزو ذلك إلى فن الكتابة في المقام الأول، فالكتابة هي ذلك المعمار الهندسي الذي يقود العملية الفنية برمتها إلى الجمال ليس في ذلك مراء، وإلا لماذا يرجع الكثير إلى الكتابات العالمية، أو إلى الكتاب المبدعين الراحلين؟! فالكتابة هي انفجار ذهني لحظي يحول العالم بين يدينا إلى واقع محتمل يحمل معه عنصري (الحتمية والاحتمال) معا، فيحمل حينها ذلك السحر المشروع الذي يأسر لب القارئ أو المشاهد.

والكتابة لها محاور ومنارات يقل اصطيادها، لأنها لا تسلم نفسها ولا تستسلم ولا تذعن إلا لهؤلاء الموهوبين الذي يمنحهم الله لحظات مبصرة أسماها علماء الإبداع (ومضات الاستبصار)، وأولها لحظة اصطياد الفكرة وهي أهم اللحظات المفجرة لكل الأحداث.

إن عملية اصطياد الفكرة أو لحظة انبثاق الرؤية هى تلك اللحظة الزمنية العابرة والتي لم تعد عابرة حيث يعمل المبدع على توقيف الزمن عند هذه اللحظة التي يقوم بتكبيرها إلى درجة عمل فني رائع، وكأنه أشبه بأداة الكاميرا حين تلتقط الصورة فيتوقف الزمن، ثم يأتي تحريك هذه اللحظة كيفما تتحرك فى المخيلة ليخلق منها عملا رائعا حيا وحيويا يتحرك وينطق ويتأزم ويتألم ويضحك، حياة رائعة وممتعة من خيال المؤلف.

والعمل في ذاته ليس عبثا لاستدرار الضحك أو المآسي، بقدر ما له من وظيفة وهي تلك الرسالة التي يتم إرسالها -عن طريق هذه المهارة- إلى المتلقى، فيجعل كل ما يتحرك أمامه (عن قصد) يخدم هذه الرسالة ويصب فى مجراها، ولا ينفصل المبدع عن تلك الحياة التى يحيكها حيث يحب أن تلامس واقعه بلا ذاتية مفرطة يقول الكاتب المسرحي جون هوارد لاسون (1977-1894): إن نشاطه الخلاق نشاط شخصي واجتماعي معا وتصويره للعالم الذى حوله امتدادا لحياته هو نفسه لأنه يبرز معاني وقيما ومطامح اجتماعية تُطرَق وتشكل بعد صهرها فى نيران التجربة الحية.

وصورة العمل الفني قد تتغير بتغيير صور المجتمع والثقافات فالكاتب المسرحي يجد صعوبة بالغة أكثر من أي كاتب من كتاب الصنوف الأخرى، ذلك لأنه مقيد بخشبة المسرح ولكن أدواته فى نقل رسالته التى يطمح في توصيلها هي تلك الصورة المتحركة الحية أمام النظارة والمزخرفة بكل ألوان الزينة مثل اللون والصوت والشكل والتركيب أو البناء والنسيج.

وهذا يعني أن هناك أعمالا فنية مثل الفن التشكيلي أو الموسيقى وهي فنون قد يراها النقاد تعرقل عملية التبليغ، أما المسرح فهو فن مباشر وحي وناطق وتلك هي الميزة الكبرى بوصفه واحدا من أحب الفنون إلى نفوس الجماهير ذلك لخصوصيته المتفردة بأنه يحدث (هنا، والآن).

فالكاتب المحترف لا يبحث عن زهو ولا عن مال، بقدر ما يحقق وظيفته التي خلق من أجلها كمبلغ للرسائل وما أصعبها من وظيفة!

هذا الكائن المحمل بالهموم والأفكار والرسائل يحمل على عاتقه مهمة التوصيل فى دأب دائم وتعب ومعاناة لأناس يجلسون على الكراسي فى ضوء خافت ومناخ ملون بألوان الزينة من الموسيقى والحوار والضحك إن لزم الأمر بلا مباشرة فجة أو تصنع. أنه أشبه برجل البريد الذى يجول على قدميه طيلة اليوم ليوصل الرسائل لأناس مسترخين فى مقاعدهم وسط منازلهم، يقول الكتاب المسرحي ماكسويل أندرسون: (1959-1888) إن الأشياء التي على الفنان أن ينقلها ويفصح عنها لا يمكن الإفصاح عنها إلا برموز فنية. ونعتقد أن أندرسون لا يقصد بذلك الألغاز والإبهام، بقد ما يشير إلى عالم من جماليات الكتابة وروعتها.

على أن ما يكتبه هؤلاء هو ما يجلو لنا هذا الفن ويضفي عليه فيضا كبيرا من الضوء المبهر المؤدي إلى المتعة التي بدونها لا يحتمل المتلقي الصبر، لأنه في نهاية الأمر يبحث عن المتعة النفسية والروحية والوجدانية، وهو ما يجعل الرسالة تتسرب إلى العمق بلا جهد مبالغ فيه.

إن كل ما يكتبه الكاتب المسرحي من علامات وتوصيف مناظر ولغة وكل ما يتضمنه عمله يحمل لنا عالما من الدلالات والرموز التى يجب علينا فهمها لأنه وهو يكتبها يعلم ماذا يفعل وماذا يكتب وماذا يقصد، ولذلك فإنه يتوجب علينا إيجاد تلك الصفة الحيوية بيننا وبين الكاتب، هذا (التغاير الحيوي) هو ما يخلع على العمل بهجة ومتعة وحيوية.

وهذه الحياة النابضة أمامنا لا تأتي إلا عن طريق علاقة حميمية بين الكاتب وفكرته، علاقة مليئة بالحب والمودة والتعايش الصادق والإخلاص بين الكاتب وفكرته وتصوره من خلال رموز فنية والحوار والفعل هما الرمزان اللذان يستعملهما الكاتب في دائرة اختصاصه. ولذلك يقول روبرت أندرسون (1917-2009) وهو الكاتب المسرحي الأمريكي: إن وظيفة الكاتب توضيح نظرته إلى العالم بسلسلة من الكتابات التصويرية التى تحمل المعاني إلى ما وراء الخطاب المباشر.

هذا وقد وصف النقاد الكتاب بأنهم أشبه بالموصل الكهربائي إذ يقومون بتوصيل الفكرة من خلال إبداعاتهم المتخيلة إلى الجمهور. يقول الكاتب المسرحي المر رايس (1967-1892): العمل الفني هو مجرد محاولة الكاتب تصوير الحقيقة باستعمال الرموز وهو ينجح تماما بالدرجة التى يستطيع اختياره وترتيبه لرموزه أن يجعلا المعنى الذي يقصده شيئا واضحا مفهوما.

ويقصد رايس أن سيطرة الكاتب على مادته هي التي تجعل منه فنانا وإذا بحثنا في قيمة أي عمل فني، فإنه لابد أن يتصف هذا العمل بالحيوية والفيض الحسي الذي يصل بدوره للفيض المعنوي ولكنه لا يتأتى ذلك سوى باتصال حي ومتدفق مع المتلقي يقول الكاتب المسرحي والحاصل على نوبل (جون جالسورذي 1933-1867): إن جوهر الفن يكمن فى قوة الاتصال بين قلب وقلب - أجل ولكن بما أن أحدا لا يمكن أن يقول للطبيعة الإنسانية: «كوني وفقا لهذا المثال أو ذاك» أو أن يقول لتموجات الفهم الإنساني إلى هذا الحد وليس أبعد منه.

ويعزز ذلك رايس بقوله: إن الكتابة المسرحية ليست بالأمر اليسير مثلما يظن البعض إنه قادر على خلق شخصيات تملأ الفراغ المسرحي يثرثرون حواراتهم ويرقصون ويغنون تحت ألوان زاهية من الإضاءة وهم لا يعلمون أن ذلك سيسبب لهم كما كبيرا من العناء والألم جراء إحساسهم بالفشل من أول ليلة عرض مسرحي.

إن العلم يحدثنا أنه من أشد التجارب التى تكابدها الإنسانية إيلاما وأجلبها وجيعة تجربة الولادة، وقد أرسل الكاتب المسرحي نشانج بوللوك تشبيها أدبيا بأنها أصعب من لحظات الولادة! ولذا فإن استسهال الكتابة المسرحية هي مصيبة المسرح في يومنا هذا.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة
  • وضع القراءة
    100% حجم الخط