هل المذاهب الفقهية تجمع أم تفرِّق؟!

محمد سالم الغامدي
محمد سالم الغامدي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

نعلمُ أنَّ المقصودَ بالدِّين هو عبادةُ الله تعالى وحده لا شريكَ له، والذي سمَّاه سبحانه بدينِ الإسلامِ في قولهِ تعالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ)؛ لأنَّ الله تعالى قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وعبادة الله تعالى تتعدَّد صورُها وأشكالُها، لكن يمكن اختصارُها في توحيدهِ سبحانه، وإقامة العملِ الصالحِ مع عبادهِ المتضمِّن الالتزام بالقِيم والسلوكاتِ الفاضلةِ في المعاملات الحياتيَّة، لكنَّ اللَّافت ذلك التَّنامي المستمر في تفرُّق الأمَّة الإسلاميَّة وتشرذمها، من خلال تحوُّلها إلى مذاهبَ وشُعبٍ وفِرقٍ، وفي خضم تلك التشرذماتِ التي تلتحَّف جميعها بألبسة الشَّرع، أصبح كلُّ مذهبٍ وفرقةٍ وشُعبةٍ يرى أنَّه على حقٍّ، وغيره على باطلٍ، وإنَّه في الجنَّةِ، وغيره في النَّارِ، ثم تنامى ذلك التشرذمُ الشَّرعيُّ إلى تناحرٍ سياسيٍّ، كلٌّ يريد الغَلَبَة على الغَير، ولكلٍّ منهم شيوخُه المقدَّسون عندهم، والذين أصبحُوا في نظرِ بعض أتباعهم آلهةً، لهم حقُّ التَّشريع والاتِّباع، وتناسَى الجميعُ أنَّ نزولَ الوحي على نبيِّ اللهِ ورسولهِ سيِّدنا محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كان نزولًا مُحكمًا ومفصَّلًا في كتابهِ الكريمِ؛ كي يصبحَ ذلك هو التَّشريع الثَّابت والصَّالح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ كون رسالته -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- هي خاتمة الرِّسالاتِ، وفيها جُمعت وخُتمت كلُّ التشريعاتِ السَّابقةِ التي جاء بها الرُّسلُ الذين أُرسلوا قبلَهُ، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقال تعالى: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)، وقال تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ)، وهذه الآياتُ الكريماتُ تؤكِّد -بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ- على اكتمالِ التَّشريعِ وإتمامهِ وتفصيلهِ في كتابِ الله تعالى، حيث اكتملَ تحديدُ وتوصيفُ العباداتِ والعقوباتِ والقيمِ والمعاملاتِ والسلوكاتِ الحياتيَّةِ.

وممَّا سبق يتَّضح لنا -بجلاءٍ- اكتمال هذا التَّشريع السماويِّ بكلِّ تفاصيلهِ التَّامة والكاملةِ، كما تمَّ تبليغها -خيرَ تبليغٍ- من الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كما جاءتْ دونَ تحريفٍ أو تبديلٍ حينما دوَّنها كُتَّاب الوحيِ، وراجعَها جبريلُ -عليهِ السَّلام- مع رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وحفظها اللهُ تعالى من التَّحريفِ، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقد استمرَّ الالتزامُ بمضامين تلكَ التَّشريعاتِ التي وردتْ في كتابِ الله تعالى دونَ إضافةٍ أو تعديلٍ، فلم يكنْ لصحابةِ رسولِ الله، وكلِّ مَن أسلم في عهدهِ مرجعٌ غير ذلك الكتابِ العظيمِ التَّامِ المكتملِ، واستمرَّ ذلكَ الحالُ حتَّى أواخر القرنِ الثَّاني الهجريِّ، حينما بدأ ظهورُ المذاهبِ الأربعةِ وهم: الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، ثمَّ ظهر بعدهم كُتَّابُ الحديثِ كالبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن حبان، والنسائي، وغيرهم الذين استحدثُوا ما يسمَّى بأصولِ الفقهِ ومصطلحِ الحديثِ، والتي اتَّسمت تلك المرحلةُ بدخولِ الكثيرِ من الأجناسِ البشريَّةِ إلى الإسلام، لكنْ ما ترتَّب على ظهورِ تلكَ المذاهبِ وكتَّابِ الحديثِ أدَّى إلى جمع مئاتِ الآلافِ من الرِّواياتِ تحت مسمَّى الحديث، كانتْ مليئةً بالمكذوبِ والضعيفِ، ثم نشأ علمُ الجرحِ والتعديلِ لتنقيةِ الكثير من تلك الأحاديثِ المجموعةِ، عندما طالها الكثيرُ من الكذبِ والتطويعِ السياسيِّ.

وهنا بدأت المذاهب الأربعة تتبلور بفكر تشريعيٍّ جديد، كان اعتمادهم في أغلب استدلالاتهم على تلك الأحاديث مهما كان درجة صحتها، ولعدم دقة الكثير منها؛ لأنها نقلت من الأفواه، وتعرضت للكثير من الكذب والتطويع، وكان اعتمادهم في استدلالاتهم على تلك الأحاديث أكثر من الاستدلال بآيات القرآن الكريم، بلْ إنَّ الأغلبَ منها كان من تلك الأحاديث، ثم تتابعَ بعد ذلكَ بروزُ الكثيرِ من المذاهبِ والشيعِ التي انحرفتْ باتجاهاتٍ سياسيَّةٍ، أو لإثباتِ مكانةٍ وقوةٍ فقط، ثم تنامَى ذلكَ الحالُ حتَّى بدأ التحوُّل الأخطرُ في مسارِ تلك المذاهبِ بعد القرنِ السادس الهجريِّ، حينما تحوَّل ذلك الخلاف إلى صراعاتٍ سياسيَّةٍ بعد أنْ غلبَ عليها تلك الصبغة السياسيَّة التي طوعت فتحوَّل الأمرُ إلى تنافرٍ وتناحرٍ عصبيٍّ مذهبيٍّ، أفضى إلى إهراقِ الكثير من الدِّماءِ، وها نحنُ اليومَ نجنِي ثمارَ تلك الخلافاتِ المذهبيَّةِ، وها هي الخلافاتُ تتنامَى وتتحوَّل إلى صراعاتٍ بين الدولِ، بعدما كانت قبل ذلك صراعًا بين الأتباعِ، وصدق الله العظيم الذي قال في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)، فهل بعد هذا التَّصريح الربانيِّ في كتابه الكريمِ مَن يقول غير ذلك؟ والله من وراء القصد.

نقلاً عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط