هل غاب البدر؟ لا!

ماجد إبراهيم
ماجد إبراهيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

١٢ يناير ٢٠١٧ كان الاتصال الأول بيننا وكانت الصدمة، وفاة الشاعر الكبير مساعد الرشيدي، هاتفت البدر لأطلب منه الظهور في نشرة الرابعة لتأبين رفيق الدرب، بعد ترحيبه أول المكالمة أخبرته بالسبب وفاجأتني ردة فعله والصدمة في صوته: "مساعد مات؟"، ضاقت الوسيعة في عيني وأدركت أنه يتلقى خبرا موجعا مني في أول مكالمة، لم أعرف كيف مرت ثوانٍ ثقيلة جدا على أرواحنا، قبل أن يتمالك نفسه ويترحم على صديقه ويسألني: "وش أقول عن مساعد يا ماجد؟".. رددت بسرعة: "إذا انت ما قلت عن مساعد.. من يقول يا ابو خالد؟"، وافق حينها وظهر معزيا ومتحدثا بشعر لم يقله من قبل، ويا لسعادة مساعد الرشيدي لو سمع حديث البدر عنه يومها.

في صباح السبت الحزين، لم أكن قد نمت سوى أقل من ثلاث ساعات، حتى أيقظني اتصال من الصديق عدنان السوادي لم يدم أكثر من ٤٧ ثانية، تكلم معي عدنان وكل ظنه أنني أعرف الخبر، كان يحدثني عن شكل تغطية العربية وما يجب أن ننجزه من مواد تليق بفاجعة الخبر الذي لم أعرفه سوى تلك اللحظة، لم أبين لعدنان فاجعتي بل نهضت وبدأنا العمل فورا، لا مكان لوجعي حينها ولا لفاجعتي بفراق البدر، المهم أن نقدم ما يليق بوداعه المفاجئ، ولنا كل الوقت بعدها لنحزن ونجزع كل على طريقته.

انتبهت لحظتها لمكان فندقي في الخبر، كان قريبا من الفندق الذي جمعنا قبل سنة وشهرين، وشهدت باحته آخر لقاء بيننا، آخر حديث، آخر صورة جمعتنا، بعد أمسيته الفارقة في مركز إثراء مارس ٢٠٢٣، هممت بالذهاب إلى هناك، إلى ذات الطاولة بعد أن نشرت صورتنا في انستغرام وكتبت عليها: "ليه كان آخر لقا يا حبيبي؟"، قبل أن تأتيني رسائل أمي منيرة لتهدئة روحي، تعرف منيرة مدى تعلقي بالبدر وعلاقتي به وبأشعاره، وكان سؤالها لي عن صحته لا ينقطع طوال أسابيع مضت، وكعادة رسائل الأمهات، استطاعت أن تبقيني في مكاني هادئا أتابع سير العمل للتغطية عبر الشاشة وكافة منصاتنا، أتواصل مع الكل عمليا، في الوقت الذي لا أرد فيه على سيل رسائل التعزية من صديقات وأصدقاء كثر، كنت رافضا لفكرة أن يعزيني في فقده أحد، كنت رافضا أصلا لفكرة فقده، من يعزيني في بدر بن عبدالمحسن هو بدر بن عبدالمحسن فقط، لن يجيد أحد تعزيتي كما فعل طوال عقود.

لحظات عصيبة بين متابعة الخبر والتغطية وردود الفعل، وبين البحث عن وقتي الخاص لأحزن كما ينبغي للحزن أن يكون على شاعر صنع مني شاعرا أحبه، تلاشت ملامح الوقت داخلي وأنا أردد معه:
"قالت وش الوقت..
ناظرت ليل عيونها..
وصبح الجبين..
ومرت ثواني صمت..
وقلت الزمان انتي..
وكوني اللي تبين!"
لكنني لم أكن ذلك الولد الذي “أبي”.. وانتهت لحظتها حاجتي للزمن، كما قال البدر:
"من يومها ما عاد أناظر ساعتي..
وش حاجتي..
أعد الزمان..
و “هو” الزمان الجاي".

وكعادة الحزانى والمكلومين يستبد بهم الحزن وتسيطر على مشاعرهم الفاجعة، وينسون أن من رحل ربما كان رحيله راحة له من وهن المرض أو شظف العيش تحت رحمة علاج لا شفاء فيه، كنت غارقا في حزني حتى أيقظت داخلي هذه الفكرة أختي إبتهاج، التي تربت معي على عشق البدر وقصائده، قالت لي: "ماجد..فكّر إنه ارتاح" وبقدر ما كانت الفكرة تطبطب على أرواحنا، إلا أننا إبتهاج وأنا كنّا مصدومين بما فعلناه البارحة تحديدا، كلٌ على حدة دون أن يعلم بالآخر، كنت أحاور الفنان السعودي الكبير عبدالمحسن النمر في مهرجان أفلام السعودية، وجاء ضمن الحوار ذكر مسلسل “توق” المأخوذ من رواية البدر والذي كتب قصته والسيناريو له، دعونا للبدر بالشفاء والعودة سالما، وفي جدة كانت إبتهاج تقلب أوراقنا القديمة وظهرت لها تذكرة أول أمسية حضرناها للبدر في جامعة عفت فبراير ٢٠١٠، من أوحى لها ولي بذكره قبل رحيله بساعات؟، لا شك عندي إنه هو.. حيث نبت في أرواحنا نخلة سامقة لا حد لعطائها وخيرها، وبات قصيدتنا الخالدة، لعلّه أرسل لنا تلويحة الوداع التي لم نحسن قراءتها يومها.

مرت أكثر من ٢٤ ساعة على الصدمة والوجع داخلي يكبر بوحشية لا مقاومة لي تجاهها، استسلمت لحزني المقيم ما بقي البدر وبقيت قصائده داخلي، حتى أسرتني فكرة حزن الرياض على عاشقها الكبير وهي تضمه إلى صدرها في مقبرة العود، وبدأت محاولة كتابة خجولة عنه، ربما تطمئن روحي ولو قليلا وتطمئن قلب الرياض يوما:
يا العود بالله طمني قلب الرياض
عن جسد عاشق لها فارَق هواه
عن مواجع عن جزع هاك الفياض
عن حزن أرضٍ يفارقها لْـ سماه
نجد من دونه غدت ما هي رياض
ذابلة يدها وتصرخ ألف آه.
النوى موجع ولو كان افتراض
تشرحه صرخة تناستها الشفاه

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط