أيام في الريڤيرا
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كثيرة هي الغوايات التي تتربص بنا حينا بعد آخر، تتحين لحظة فراغ، وساعة شرود، ووهلة صفاء، علّها توافق قرارات طيش "قادحة" فتلقي بزخرفها دفعة واحدة؛ لينقدح إثرها شرر التهور ويرتخي زمام التعقل للسير في إحدى المغامرات "غير المحسوبة" كما وصفها ذات مرة طيب الذكر الراحل سعود الفيصل قبل نحو عقدين من الآن..
وصف الفيصل بطبيعة الحال كان في سياق آخر لكنه هاجمني فجأة فتركته يضع نفسه في أي سياق يشاء. إكبارا لصاحبه واحتفاءً بذكراه وتوصيفه الأثير. أعود للغواية التي كنت في طور سرد تشكلها وانقداح زنادها. رحلة للريڤيرا حيث الشواطئ الخلابة. مياه زرقاء لازوردية دافئة، رمال بيضاء، نخيل واشنطونيا فارعة، ملاعب شاطئية، مضامير ممتدة، فنادق وحوانيت فاخرة في الجوار، وغيرها أشياء أُخر يزدان بها المكان، وتُعمر بها الأرائك والسُرر المتناثرة على طول امتداد الساحل الفاتن..
غوايات تترى، وصور سوريالية حالمة، وافقت ساعة صفاء واندفاعة نهاية أسبوع عمل حافل بالعواجل والمستجدات، فكانت الوجهة هذه المرة مطار كوت دازور في نيس رائعة الجنوب الفرنسي، وجوهرة تاج الريڤيرا؛ حيث اصطياف ذوي اليسار من مختلف أنحاء العالم..
وكما عادة لحظات الطيش، لم استبن السمة الأخيرة وأتمعن في لوازمها وأعبائها حتى فات الأوان، فلا تراجع ولا فرار، ولات ساعة تردد أو اعتذار.. تعاندت ضد كل اللاءات وتماسكت في وجه الاستدراكات، وتغانمت لحظات صفو - لابد زائلة- متمثلا ببيتي "دايم السيف" في رائعته الشهيرة "من بادي الوقت":
إلى صفا لك زمانك علّ ياظامي
اشرب قبل ما يحوس الطين صافيها
الوقت لو زان لك يا صاح ما دامي
يا سرع ما تعترض دربك بلاويها
في منتصف مايو كانت شواطئ الريڤيرا قد بدأت في استعادة بريقها واجتذاب روادها بعد انخلاع ثياب عدوها الأزلي -الشتاء القارس- ورحيله لعام آخر، تاركا أراضي تلك الأنحاء حُبلى بخُضرة تطيب برؤيتها الأبصار، وتتصابى برونقها حتى أراذل الأعمار، وتنساب بسحرها الأفكار والمعاني والكلمات، فتغدو يانعة دانية، تتقاطفها نظرة شاردة، أو إيماءة نضِرة وابتسامة مترددة، وترحيب متودد لطيف بمفردات أنيقة "بونجور مسيو". يصح فيها جميعا قول البحتري:
إني وإن جانبت بعض صبابتي
وتوهم الواشون أني مقصر
ليشوقني سحر العيون المجتلى
ويروقني ورد الخدود الأحمر
بين نيس وموناكو وكان. كانت تلك الومضات والتفاصيل، ولهذه الأخيرة مسرد آخر، خصوصا مع مصادفة زيارتها لأيام مهرجانها السينمائي؛ حيث الألق والشهرة في محفلها الكوني. تخال ذات لحظة بأنها ارتدت كل ما يحويه العالم من مباهج. سيارات ويخوت فارهة، إطلالات مذهلة، بدلات أوروبية بربطات عنق أنيقة، تسريحات وفساتين باذخة، موسيقى متفردة، أضواء لافتة، وبوسترات مثيرة غطت جدران واجهة "لاكوزيت" الوادعة..
ألق المكان وصخبه يسوقانك قسرا لتقف مشدوها أمام "الرد كاربت" بين مئات العدسات المتربصة بإطلالات نجوم السينما العالمية. فتتطاول الأعناق وتشرئب، ويتسلق الحضور وبالأخص الزملاء في مهنة المتاعب كل ما كان صالحا لذلك؛ علّهم يحظون بإطلالة تميز التقاطاتهم، وتمنحهم صدر الصفحات الأولى والأخيرة في كبرى المطبوعات السيّارة، في سباق إعلامي رهيب، يعيد للصحافة أمجادها ويؤكد بقاءها واستمرارها..
الكثير الكثير من الأحاديث والصور والحوارات على هامش المهرجان وبين جنباته وعلى طاولات المقاهي والمطاعم والحانات المحيطة بالباستيڤال، بالإضافة للتعليقات المشاغبة والطريفة من الحضور على مشهد أو "لوك" أوتسريحة وتقليعة غريبة لاتكاد تخطئها الأعين في مشهد حي لأحد تجليات المشهد الكوزموبوليتي في أبهى حلله..
لحظة. لحظة.. يبدو أني أطلت على غير العادة. لا أعرف هل هو سحر الريڤيرا. أم انتفاضة متأخرة لصوت المطولات في وجه اعتذار بليد مني لصديقي عدنان الذي حثني ذات مرة بالعودة للمقالات والكتابة الصحفية. أجبته حينها بأني لم أعد أطيق كتابة ما يزيد على "تغريدة"!
ختاما وعودا على بدء.. يا لها من غواية تلك التي يعيشها رفاق السفر والترحال..