مشهدية الرياض.. محمد عبده وبوتشيلي
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
منذ سنوات اعتاد الكثيرون في العالم على مشهدية مختلفة ومبهرة تصدرها الرياض بتألق يشبهها ويتماهى مع أهميتها الجيوسياسية إقليميا وعالميا، بدءًا بالسياسة وليس انتهاء بالرياضة والفن في لوحة ترسم حيوية المجتمع السعودي الشاب، باتت الرياض حديث العالم.. المحب منه والكاره على حدٍ سواء، في كل قمة سياسية تعقدها أو فعالية ترفيهية تنظمها أو صفقة رياضية تخطف بها أنظار عشرات أو مئات الملايين من حول العالم.
هذه المشهدية الخاصة التي تقدمها الرياض للعالم بعناية ترسم لوحاتٍ خلاقة لا تغادر أذهان المتابعين، جعلت التساؤل مشروعًا بعد كل إبهارٍ يحتفي به السعوديون وتتناقله قنوات التلفزة ووسائل السوشيال ميديا عالميا؛ ماذا يمكن أن تقدم الرياض أكثر؟، بطبيعة الحال فإن هذا السؤال يسأله السعوديون أنفسهم قبل غيرهم، فسقف طموحهم لا حدّ له.. كما قال ولي العهد السعودي وعراب رؤية السعوديين الأمير محمد بن سلمان: "طموحنا عنان السماء".
لم تكن مقولة ولي العهد شعارًا سياسيا يتغنى به السعوديون بأصوات فنانيهم وشعرائهم، بل هي تعبير عن مرحلة جديدة عملية حقيقية شعارها العمل قبل القول، وهو ما تجلّى قبل أيام في دورة هذا العام من جوائز جوي أوورد بحضورٍ عالمي وإبهار بصري لم يكن أساسا وحيدا للمشهد في الرياض، بل الأساس هو القيمة التي رسمها الحدث بأسماء عالمية لم تجتمع من قبل في قاعة واحدة.
من السهل التفكير في تكريم قامة شعرية سعودية وعربية بل وعالمية مثل الراحل الكبير الأمير بدر بن عبدالمحسن، لكن ماذا يمكن أن تقدم لتكريم مثل هذه التجربة العريضة في محفل يشاهده الملايين حول العالم؟، هنا تأتي تجليات الإبداعات السعودية وانفتاحها على شتى إبداعات وفنون العالم، ظهر فنان السعوديين الكبير محمد عبده بعد غيابٍ مؤلم لمحبيه الكثر ليغني إحدى أساطيره من كلمات البدر "صوتك يناديني" في مشهدية آسرة برفقة الفنان العالمي الكبير أندريا بوتشيلي باستعراض فني لم يسبق له مثيل، يشرح ببساطة عالمية كلمة البدر وصوت محمد عبده أمام أسطورة فنية عالمية مثل بوتشيلي، هذه المشهدية يصعب بأي حالٍ من الأحوال أن تتحقق في مدينة عالمية ما غير الرياض، وهذا ما اعتدنا عليه منذ العام الأول لانطلاقة موسم الرياض العام 2019
تفاصيل كثيرة شهدتها الليلة الكبيرة للجائزة السعودية – العالمية التي وضعت قدمها بسرعة كبيرة بين كبرى الجوائز العالمية التي حصدت مكانتها بعد عقود من انطلاقها، لكن السعودية اعتادت منذ إطلاق رؤيتها الحديثة والمتجددة قبل نحو تسعة أعوام على حرق المراحل والمضي نحو أهدافها بسرعة قد لا يتعود عليها البعض بشكل سهل، اعتاد السعوديون خلق الإنجاز تلو الإنجاز حتى بات من الصعب عليهم قبل غيرهم في نهاية كل عام حصر إنجازات عامٍ مضى، في ذات الوقت الذي يفكرون فيه في تحديات العام المقبل.
لماذا أنظر إلى مشهدية محمد عبده وبوتشيلي على مسرح واحد في قلب الرياض بهذه النظرة التي تتجاوز الفن إلى معانٍ شتّى؟، لأن الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه والمتعة فقط، بل هو تاريخٌ وإرث عميق يشرح ببساطة تطور الشعوب وانفتاحها على العالم والحياة، ويبرز أجمل ما لدى ناس هذه البلاد من فنونٍ جميلة لطالما افتخروا بها بينهم وبين أنفسهم، وآن الأوان لتصديرها للعالم أجمع ليستمع إلى صوت السعوديين العذب ويستمتع بفنونهم الضاربة في جذور التاريخ.