للحديث بقية: استراتيجيةٌ للبقاء

‏عبداللطيف عبدالله آل الشيخ
‏عبداللطيف عبدالله آل الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
4 دقائق للقراءة

في نهاية كل حوارٍ نعيشه، أو قصةٍ نرويها، تتردد جملةٌ تختزل في طياتها أسرار الزمن و وعوده: "للحديث بقية". ليست هذه العبارة مجرد إعلانٍ عن انتهاء لحظةٍ عابرة، بل هي إشارةٌ إلى أن الحوارات الإنسانية أشبه بنهرٍ متدفق، لا يتوقف عند منعطف، بل ينساب من محطةٍ إلى أخرى، حاملاً في تياره أسئلةً جديدة، و مساحاتٍ من الانتظار، و أحلاماً لم تُكتَب بعد.
إنها اعترافٌ صريح بأن كل كلمةٍ ننطقها، وكل صمتٍ نختزنه، هو مجرد حلقة في سلسلةٍ زمنيةٍ لا تنتهي، حيث تُعلِّق نهايةُ كل جملةٍ ببدايةِ أخرى، كأنما الحياة نفسها حكايةٌ تُروى على مهل، تتشكل فصولها مع كل نفسٍ نتنفسه.

لو تأملنا طبيعة الحوارات بين البشر، لوجدنا كل نقطةٍ ترتبط بأخرى، لتشكيل شبكةٍ من المعاني التي لا تُحصى.
عندما نقول "للحديث بقية"، فإننا نربط بين ما قيل و ما سَيُقال، كأننا نضع علامةَ ترقيمٍ مؤقتةً في نصٍّ مفتوح.
هنا، يتحول الحوار من حدثٍ منفصل إلى جسرٍ بين الماضي و المستقبل. فالحقيقة التي نعتقد أننا انتهينا منها اليوم، قد تتحول غداً إلى سؤالٍ جديد. هكذا تذكرنا هذه العبارة بأن المعرفة الإنسانية ليست وثيقةً مُختومة، بل مخطوطةٌ قيد التحرير، تُضاف إليها هوامشُ التعليقات مع كل حوارٍ جديد.

لعلّ في الطبيعةِ أعظمُ تعبيرٍ عن فكرة "البقية" التي لا تنضب ، فالشجرة التي تسقط أوراقها في الخريف لا تودع الحياة، بل تختبئ تحت الثلج كي تعود في الربيع بأغصانٍ جديدة ، والنهر الذي يتبخر جزءٌ منه ليكوّن السحاب، يعود مطراً ليُحيي الأرض من جديد ، حتى النجوم التي نراها ميتةً في السماء، هي في الحقيقة تُرسل ضوءاً بدأ رحلته قبل ملايين السنين.
الطبيعة تُعلّمنا أن النهايات وهمية؛ فكل ما يبدو ختاماً هو في الحقيقة مقدمةٌ لقصةٍ أخرى.
وهكذا، فإن توقف الحوار ليس إلا استراحةً قصيرةً كاستراحة الموسيقي الذي يرفع يده عن "العود" للحظة، قبل أن يبدأ العزف من جديد تقاسيم ارتجالية جديدة .

نهاياتٌ تلد البدايات في العالم الأدبي و الفني، تُعتبر النهايات المفتوحة تحدياً لإبداع القارئ و خياله فتترك الأسئلة معلقةً كفوانيسَ في ظلام، تحثُّ المتلقي على أن يُكمل الحكاية بنفسه. هنا، تتحول "البقية" من مجرد كلماتٍ مُعلَّقة إلى مساحةٍ يشغلها القارئ بأفكاره وشكوكه.
حتى أن بعض الحكايات الأسطورية، كحكايات "ألف ليلة وليلة"، بُنيت على فكرة التأجيل المستمر للنهاية، كي تبقى الحياة مستمرةً بحيلة السرد.
فـ "للحديث بقية" ليست مجرد جملة، بل استراتيجيةٌ للبقاء.

الإنسان كائنٌ يسعى نحو "البقية" ،
عميقاً في النفس البشرية، يوجد شغفٌ غريزيٌ لمعرفة "ما سيحدث لاحقاً". هذا الشغف هو ما يدفعنا لقراءة الصفحة التالية من الكتاب، أو متابعة المسلسل حتى نهايته، أو الانتظار بلهفةٍ لاستئناف حوارٍ مع شخصٍ عزيز. إنه نفس الدافع الذي جعل الحضارات القديمة تنسج الأساطير عن الخلود والبعث.
فـ "البقية" هنا ليست فضولاً عابراً، بل هي تعبيرٌ عن رغبتنا في الهروب من فكرة الفناء، و الإيمان بأن شيئاً ما ينتظرنا وراء الأفق.
حتى في لحظات اليأس، تظل هذه العبارة بمثابة ورقةِ تأمينٍ ضدّ الاستسلام: "لا تبكِ لأنها انتهت، بل ابتسم لأنها حدثت ، و لأن شيئاً آخر سيحدث".

في عصر التكنولوجيا و الاتصال الفوري، حيث تتحول الحوارات إلى رسائلَ نصيةٍ سريعة، و نهايات الأفلام تُختَزل في "سبويلرات"، قد يبدو أن فكرة "البقية" تتعرض للاختفاء.
لكن المفارقة هي أن العالم الرقمي، رغم سرعته، خلق أشكالاً جديدةً من الاستمرارية.
فالمحادثات تتوقف ثم تعود بعد أيام، و المنشورات على وسائل التواصل تتحول إلى سلاسلَ من التعليقات التي لا تنتهي.
ربما أصبحت "البقية" اليوم أكثر تجزئةً، لكنها لم تفقد قيمتها ، بل على العكس أصبحت تأخذ أشكالاً أكثر تنوعاً، كأنما الحياة الحديثة أعادت اختراع مفهوم "الاستمرارية" بلغةٍ جديدة.

الحياة قصةٌ نكتبها معاً عندما نُنهي حديثاً بـ "للحديث بقية"، فإننا لا نؤجل الكلام فحسب، بل نعترف بأننا شخصيات في قصةٍ أكبر، شاركنا في كتابة بعض فصولها، وما زلنا ننتظر ما سيسطره الآخرون.
إنها جملةٌ تذكّرنا بأننا لسنا أبطالاً منفردين، بل كائناتٌ متشابكة في شبكةٍ من الحكايات التي تتناسخ عبر الأجيال. فالحياة ليست كتاباً مغلقاً، بل دفترٌ مفتوح على صفحاتٍ بيضاء، تنتظر أن تُملأ بالكلمات التي سنتبادلها غداً، و بالأسئلة التي سنطرحها بعد عام، و باللقاءات التي قد لا نعرف متى ستحدث.
"للحديث بقية" هي ببساطةِ طريقةٌ لأن نقول: "لا تقلق، فالقصة لم تنتهِ ، بل ربما لم تبدأ بعد".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط