الجهلاء المثقفين

‏عبداللطيف عبدالله آل الشيخ
‏عبداللطيف عبدالله آل الشيخ
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

برزت فئةٌ باتت تُشكل عبئاً ثقيلاً على الثقافة التي تزعم أنها تنتمي إليها.
إنهم "الجهلاء المثقفون"، أولئك الذين يرفعون راية الثقافة شعاراً، بينما يمارسون التعالي و التمادي تحت ستار المعرفة.
هؤلاء ليسوا مجرد أفراد ينقصهم العلم الحقيقي، بل هم ظاهرة اجتماعية تكشف عن تناقضات عميقة في فهمنا للثقافة و دور المثقف.

الثقافة، في جوهرها، هي وعيٌ بالعالم، و تواضعٌ أمام المعرفة، وانفتاحٌ على الآخرين.
لكن "الجهلاء المثقفين" يحولونها إلى أداة للتباهي و الاستعلاء لتجدهم يتفاخرون بما قرأوا أو سمعوا، ليس لأنهم استوعبوا ما تعلموه، بل لأنهم يرون فيه وسيلة للتميز عن "الدهماء"، كما يحلو لهم أن يسموا الآخرين.
هذا التعالي ليس فقط تجاه العامة، بل يمتد أحياناً إلى زملائهم من المثقفين الحقيقيين، حيث يتحول النقاش إلى ساحة للتنافس و التفاخر بدلاً من تبادل الأفكار.

ما يجعل هذه الفئة عبئاً على الثقافة هو تماديها في فرض آرائها كحقائق مطلقة، رغم سطحية فهمها أو انعدام أصالتها.
تجدهم يرددون مقولات مستعارة، أو يتبنون أفكاراً دون تمحيص، فقط لأنها تبدو "راقية" أو تتماشى مع صورة المثقف التي يريدون تسويقها.
و في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت هذه الظاهرة و ضوحاً، حيث أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر رأياً متفلسفاً أو تعليقًا متذاكياً، فيُعتبر مثقفاً بين عشية وضحاها.

المشكلة الأعمق تكمن في أن هؤلاء لا يدركون جهلهم.
الجهل الحقيقي ليس في قلة المعرفة، بل في الاعتقاد بامتلاكها دون جهد أو تعمق.
المثقف الحقيقي يعرف حدوده، و يدرك أن المعرفة بحرٌ لا ساحل له، بينما "الجاهل المثقف" يظن أن بضع قطرات من هذا البحر تكفيه ليصبح سلطاناً على الفكر.
هذا التمادي يُفقد الثقافة جوهرها، و يحولها من أداة للتنوير إلى قناع للتظاهر و لعل أخطر ما في هؤلاء هو تأثيرهم على المجتمع.

عندما يصبح المثقف مجرد صوتٍ متعالٍ أو شخصية متصنعة، يفقد الناس ثقتهم في الثقافة ذاتها. يبدأون برفض الأفكار العميقة ظناً منهم أنها مجرد زيف آخر، في حين يستمر "الجهلاء المثقفون" في نشر سمومهم الفكرية دون وعي بما يتسببون به من ضرر.

أقولها و أعيدها : الثقافة ليست شهادة تُعلق على الحائط، و لا قائمة كتب تُتباهى بها، بل هي "مسؤولية" تتطلب الصدق و التواضع.
و إذا كان لنا أن ننقذ الثقافة من أعبائها، فعلينا أن نواجه هؤلاء "الجهلاء المثقفين"، ليس بالرفض فقط، بل بتعزيز الثقافة الحقيقية التي لا تعرف التعالي و لا تتستر على الجهل.
فالمعرفة الحقة لا تحتاج إلى صخب، بل إلى عملٍ هادئ و تأثيرٍ عميق.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط