تأثيث العُزلة: فَنُ البقاءِ وَسَطَ العاصفة
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ليست العزلةُ فراغًا يَسْكُنه الوحشُ الأسود، و لا هي صحراءُ يأسٍ تَطْوِي خيامَها على أطلال الذكريات، بل هي غرفةٌ داخليَّةٌ نُؤثِّثها بأناقَةِ الروح، و نُزيِّنها بقطعِ السَّكينة التي نَختارُها بعناية، لنصنعَ منها مَلاذاً نلجأ إليه كلما اشتدَّتْ رياحُ الحياة، و اختفى رُفَقاءُ الدرب في درب القضاء و القدر.
إنَّ العزلةَ ضرورةٌ إنسانيَّةٌ لا تَقِلُّ أهميَّةً عن حاجتنا إلى الهواء و الماء، خصوصاً حين يَتَقدَّم بنا العمر، ونفقدُ مَنْ ظننَّاهم رُفقاءَ الرحلة الأبديَّة.
هنا، حيثُ تصيرُ الوحدةُ خياراً واعياً، لا ضَرورةً قاسية، تُصبِحُ العزلةُ فَنًّا نَتَعَلَّمُه لنحميَ أنفسنا من صَخَبِ العالَم، و نُعيدَ بناءَ أماننا النفسيِّ بيدَين حانيتَين.
لا يَفتأُ المجتمعُ يُصوِّرُ العزلةَ كعَارٍ وجوديٍّ، أو دليلٍ على الفشل في "كسب الأصدقاء"، و كأنَّ الإنسانَ آلةٌ اجتماعيَّةٌ مُلزَمةٌ بالضجيجِ الدائم.
لكنَّ الحقيقةَ الأعمقَ تكمنُ في أنَّ الوحدةَ الحقيقيَّةَ ليست في ابتعادِ الناسِ عنَّا، بل في ابتعادِنا عن ذواتنا. فكلما تقدَّمَ بنا العمر، وبدأَ رُفقاءُ الطريقِ يتراجعون -إمَّا بِفِعلِ الموتِ أو التغيُّرِ أو البُعد- نُدركُ أنَّنا لم نَعُدْ نحتملُ التَّظاهُرَ بغير ما نحن عليه، أو مُجاراةَ مَن لا يَفهَمونَ لغتَنا الوجوديَّة. هنا، تتحوَّلُ العزلةُ من حالةٍ مؤقَّتةٍ إلى فَضَاءٍ نُعيدُ فيه اكتشافَ مَعْنَى "الأَنَا" بعيداً عن ضوضاءِ التوقعات.
الغريبُ أنَّنا نَشيخُ ونحنُ نَحْمِلُ في أرواحنا جراحَ فراقِ مَنْ أحببنا، لكنَّ هذه الجراحَ نفسَها تُصبِحُ سِجِلّاً يُذكِّرنا بأنَّ الحمايةَ الحقيقيَّةَ لا تأتي من الخارج. فمَن ذا الذي يضمنُ ألّا يغيبَ الصديقُ غدًا؟
أو أن يَتبدَّلَ الحبيبُ بعدَ سنين؟
العزلةُ الواعيَّةُ - أو "تأثيثُها" كما أُسمّيتها -هي تَمرينٌ يوميٌّ على أن نكونَ مَلاذَ أنفسنا.
كأنْ نَخلقَ طقساً للقراءةِ في هدوءِ الصباح، أو نُخصِّصَ زاويةً في البيتِ للكتابةِ و التأمُّل، أو نُمارسَ هوايةً تَمنحُنا شعوراً بالانتماءِ إلى ذواتنا.
هذه التفاصيلُ الصغيرةُ هي التي تَحْمِلُنا حين تَخِرُّ الأكتافُ تحت ثقلِ الغياب.
لا يَعني تأثيثُ العُزلةِ الانغلاقَ على الذاتِ أو كَرْهَ الناس، بل هو انتقاءٌ دقيقٌ لما نَسمحُ له بدخولِ فُسْحَتنا الداخليَّة. فكما نَختارُ أثاثَ منزلنا بعناية، نَختارُ أفكاراً، و ذكرياتاً، و أنشطةً تُناسبُ رُوحنا.
قد نَكتشفُ -مثلًا - أنَّ الاستماعَ إلى موسيقى مُعيّنةٍ يَملأُنا طمأنينةً لا نَجِدُها في الأحاديثِ السطحية.
أو أنَّ تربيةَ نبتةٍ صغيرةٍ في غرفتنا تُذكِّرنا بأنَّ الحياةَ تُزهرُ حتى في أصعبِ الظروف.
هكذا، نُحوِّلُ العزلةَ إلى حِصنٍ نُديرُ مَفاصلَه بإرادتنا، لا إلى سجنٍ نَشكو من قيودِه.
الأهمُّ من ذلك، أنَّ تأثيثَ العزلةِ يَمنحُنا فُرصةَ مُصالحةِ الذات ، ففي صمتِ اللحظاتِ الخاليةِ من الحضورِ البشريّ نَسمعُ أصواتاً كُنَّا نَخنقُها طوالَ السنين: أحلامٌ مُعلَّقة، أسئلةٌ وجوديَّة، حنينٌ إلى أشياءَ بسيطة.
هُنا نُدركُ أنَّ مفتاحَ الأمانِ ليس في عددِ الأصدقاء، بل في قُدرتنا على أن نكونَ صادقينَ مع أنفسنا، حتى لو اضطررنا إلى مُواجهةِ وجعِنا دونَ مُسكِّنات.
العُزلةُ ليست عدوةً ، بل هي مِظلَّةٌ نَحمي بها جَوهَرنا ، قد يقولُ البعضُ إنَّ التمسُّكَ بالعزلةِ هو هروبٌ من الواقع ، لكنَّ العكسَ هو الصحيح.
فمَن يُؤثِّثُ عزلتَه بإتقانٍ يَبنِي مَناعةً ضدَّ فوضى العالَمِ الخارجيّ، و يَصنعُ مساحةً يُعيدُ فيها شحنَ طاقته ليعودَ إلى الناسِ بإرادةٍ متجددة ، فالعزلةُ - بهذا المفهوم - أشبهُ بغرفةِ طوارئٍ نفسيَّةٍ نَلجأُ إليها لنُضمدَ جروحَنا قبلَ أن تَتفاقم.
بل إنَّ العزلةَ تُعَلِّمنا أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ - للذاتِ أو للآخرين - يَنمو في تربةِ الهدوء، لا في تِلكَ المليئةِ بالضجيج. فكيفَ نُحبُّ مَن حولنا إنْ كنَّا لا نَعرفُ ماذا يُرضي أرواحنا؟ و كيفَ نُشاركُهم حياتَنا إنْ كنَّا نَخافُ من مُواجهةِ وحشتنا؟
العُزلةُ فنُّ البقاءِ وَسَطَ العاصفة،
قد يبدو الحديثُ عن إيجابيَّةِ العزلةِ ضرباً من الرفضِ الاجتماعيّ، لكنَّ الحكمةَ تكمنُ في التمييزِ بين العزلةِ القاسيةِ - تلك التي تَفرضها علينا الظروفُ - و بين العزلةِ الواعيَّةِ التي نَختارها كفنٍّ للبقاء.
فكلما تقدمَ بنا العمر، وتكرَّسَتْ خساراتُنا، نَحتاجُ إلى أن نُؤثِّثَ عزلتَنا بحنان، كي لا نَضيعَ في زَحامِ المشاعرِ المُتناقضة.
ليست العزلةُ سوى مرآةٍ نرى فيها أنفسنا بِدونِ أقنعة ، و إنْ كُنا سنفقدُ - لا محالة - مَن نُحبُّ، فلنكنْ مستعدِّينَ لِفقدانِهم بقلبٍ قادرٍ على احتضانِ ذاته. فالحياةُ رغم قسوتها تَمنحُنا دائماً فُرصةً لِنَصنعَ من الوحدةِ بيتاً نَستريحُ فيه، ناطِرينَ بِصبرٍ مَن يَقرعونَ بابَنا بعزلةٍ تُشبهُ عُزلِتنا.