المزايدون على النظام السوري

أحمد الظفيري
أحمد الظفيري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

وسط صمتٍ دوليٍّ، وعدوانٍ إسرائيليٍّ متكرِّرٍ، تخرج بعضُ الأصوات لتُزايد على النظام السوريِّ الجديد، متسائلةً: لماذا لا يردُّ على الاعتداءات الإسرائيليَّة؟، وكأنَّ هذه الدولة الخارجة من أتون دمار شامل؛ تملك رفاهيَّة الحرب الفوريَّة أو القدرة العسكريَّة الكاملة للردِّ.

هؤلاء المزايدون يتجاهلون أنَّ سوريا، التي أنهكها نظام الأسد، ودمَّر بنيتها ومجتمعها، ما زالت تحاول أنْ تتنفس للمرَّة الأولى بعد سنوات من الحرب والخذلان والتدمير الممنهج.

النظام السوري الجديد، الذي بدأت ملامحه تتشكل من خلال جهود وطنية حقيقية لإعادة بناء الدولة من الصفر، لا يسير في طريق الاستسلام، ولا يفرط في السيادة، لكنه يحاول أن يوازن بين الحفاظ على كرامة الأرض والناس، وبين تجنب جر البلاد إلى حرب غير متكافئة؛ قد تقضي على ما تبقى من مقومات الحياة.

الردُّ لا يعني بالضرورة إطلاق صواريخ فوريَّة، الردُّ الحقيقيُّ هو بناء دولةٍ قادرةٍ على الردِّ في الوقت والمكان المناسبَين. والمزايدة هنا لا تعني إلَّا محاولة لإعادة سوريا إلى مربَّع الفوضى والتفكك، تحت شعارات برَّاقة لكنَّها بلا مضمون.

مَن يُزايد اليوم على هذا النظام، يتجاهل عمق الأزمة التي تعيشها سوريا، ويتعامى عن حقيقة أنَّ إسرائيل لم تتوقَّف -منذ سنوات- عن قصف الأراضي السوريَّة دون أيِّ مساءلة؛ لأنَّها تعلم أنَّ هذا البلد تمَّ إنهاكه حتَّى العظم، وأنَّ شعبه يحاول أنْ يُرمِّم ما يمكن ترميمه من وطنٍ كان، ذات يوم، منارةً في المشرق.

الهدفُ الإسرائيليُّ الأساس من الاعتداءات المتكرِّرة؛ ليس مجرَّد استهداف مواقع عسكريَّة، أو قوافل أسلحة، بل هو مشروعٌ إستراتيجيٌّ يسعى إلى إبقاء سوريا دولةً مفكَّكةً، غير قادرة على النهوض. إسرائيل تدرك تمامًا أنَّ عودة سوريا كدولةٍ مستقرَّةٍ ذات سيادة يُعدُّ خطرًا على مشروعها التوسُّعيِّ، لذلك تعمل على ضرب كلِّ ما يشير إلى نهوض أو إعادة تموضعٍ داخليٍّ سوريٍّ.

كما أنَّ تل أبيب تسعَى لخلق بيئةٍ أمنيَّةٍ دائمةٍ لها على الجبهة الشماليَّة، عبر تقويض أيِّ قوة وطنيَّة سوريَّة، والضغط المستمر لمنع أيِّ توافقٍ سياسيٍّ أو تعافٍ اقتصاديٍّ. وفي العمق، فإنَّ إسرائيل تسعى لإفشال فكرة الدولة السوريَّة برمَّتها، خصوصًا حين تظهر ملامح مشروع جديد، يحاول النهوض من بين أنقاض الأسد.

لذا، فإنَّ المزايدين -بوعي أو بغيره- يسيرُون في خدمة هدف إسرائيليٍّ قديمٍ مفاده: «سوريا بلا دولة، بلا سيادة، بلا صوت».

نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط