بدر بن عبدالمحسن.. عيد ميلاد الرحيل!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
لطالما كان العشق لتجربة شاعر أو فنان ما مرتبطا بذكريات خاصة لذلك العاشق أو المحب، وهو ما قد يرفع الارتباط بالتجربة -الفنية- إلى الارتباط بشخص المبدع، فكيف إن توّج هذا العشق بعلاقة شخصية حقيقية ولو عبر لقاءات ومكالمات معدودة طوال ربع قرن؟.. هي حالة مفهومة جدًا حين نتحدث مثلا عن عشاق شاعر بقيمة الراحل الكبير بدر بن عبدالمحسن، حيث كان رحيله فاجعة موجعة لمحبيه الذين لا يحصي عددهم سوى خالقهم، لكن ما الذي حدث لهؤلاء العشاق بعد عامٍ على رحيله؟ سواء من أحبوه لشعره وتجربته الفارقة فقط، أو من تعلقوا به كشخص نادر الوجود وإن لم يلتقوا به يوما؟، أنا أحد هؤلاء العشاق وسأحكي عن قصتي الخاصة بين ملايين القصص لغيري.
ساعاتٌ فقط فصلت بين حدثٍ مهم وفارق على صعيدِ حياتي الشخصية وجزعي يومها بخبر رحيله، لتصبح إحدى أجمل ذكرياتي في الحياة "التي تستحق الاحتفال بها كل سنة" تتقاطع مع ذكرى وفاته، هنا برزت داخلي فكرة أصيلة، بعد تأمل لأيام وعجز عن الكتابة عنه في الذكرى الأولى لرحيله أمام احتفائي الشخصي بذكرى سعيدة جدا لي، من سيتمكن من شعوري حينها؟ -وهو ما سيتكرر كل سنة- .. تجلّت الفكرة داخلي بتجلّيات عشرات الأفكار التي زرعتها قصائد البدر في الروح، ويقيني بأن من بثّ في روحي كل هذا الجمال لن ينحاز إلا إلى الجمال وإن كان وجع فراقه لا يضاهيه وجع، ومن وجعه في سنوات مضت.. بدأت روحي تربّت -بكلماته- على وجعها من غيابه، في ذات الوقت الذي تحتفي فيه بذكرى جميلة لها، هنا صدح صوته قائلا:
"سنة مرت..
وأنا أول حبيبٍ.. يوقد الشمعة..
لجرحه فْـ يوم ميلاده..
هلا بالحب وأعياده..
كل عام وجرحي بخير!"
أغنية عظيمة سمعتها لسنوات بصوت سكنني شجنا وطربا كصوت الراحل الكبير عبدالكريم عبدالقادر، لكنني لم أتخيل يوما أنها ستكون وصفة الشفاء من وجع رحيل مر، وعنوان الاحتفاء بذكرِ شاعر عظيم؛ منحني كغيري من عشاقه كل ما يمكن للشعراء منحه من الجمال الذي يضمن لهم خلودًا مقيما في أرواح محبيهم، فكرة كهذه لم تكن لتولد لو لم يزرعها البدر ضمن سيل من الأفكار والتجليات داخلي، طوال سنوات من العشق لقصائده وتجربته التي تتلمذت عليها وصنعت مني شاعرا أحبه وإن لم يظهر كثيرا لعامة الناس.
لطالما كانت فكرة الكتابة عنه في ذكرى رحيله -رغم إلحاحها وعجزي عنها- تحمل في طيّاتها شعور الواجب، واجب الوفاء الدائم لمبدع كان ولا يزال وسيظل عنوانا للإبداع والجمال طوال أربعة عقود عشتها وحتى ما تبقى لي من العمر، ولذا عجزت طوال أيام عن الكتابة حتى تحررت من فكرة الواجب وحتى من فكرة الوفاء، حيث لا مكان إلا للمتعة إن أردت الكتابة عن شخص بقامة البدر، أليس هو من أوائل من علّمك متعة الكتابة ونشوة الدهشة بمعنى أو صورة لم يكتبها شاعر من قبل؟، ألم يكن هو من وصف ذات الحالة التي مررت بها من صعوبة الكتابة عن غائبٍ تحبه وقال عنك وعنه:
"أنا حروفي في غيابك..
لا هي حكي ولا هي قصيد..
أكتب الظلما وأعيد..
وانتي الفجر البعيد"..
كان البدر يردد دوما قناعته التي آمنت بها مذ عرفته وعرفت الشعر؛ وأصيغها هنا من الذاكرة: "لا تكتب إن كان الشعور هو المتمكن منك لا الشعر!، ستكون كتابتك حينها مجرد صورة توثيقية لا إبداع فيها، تحرر من الشعور الطاغي لتكتب الشعر الخالد"، وأنا وإن تحررت من شعور الوجع على غيابه أكتب الآن وسأكتب دوما عنه لأتأمل كمّ الجمال الذي تركه داخلي مثل غيري من عشاقه، مرددا بصوته:
"في قلبي سراجٍ.. حزينٍ ومكسور..
رغم المطر والريح شلْته في دربك..
..
للعمر أحبك ما بقى فيني شعور..
ولا جفاني العمر.. باموت أحبك"
عن مثل هذا الخلود في الحب والشعر والعاطفة، تكمن متعة الكتابة التي تطفئ كل وجعٍ وتصنع من الذكرى الحزينة فكرة قصيدة جديدة أو نصٍ يستمد نبض روحه من البدر حين كتب يوما:
"وكل ذكرى.. حلوة..
لو كانت أليمة!".