ليست صراع أجيال
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
في المشهد الصحافيِّ والإعلاميِّ والأدبيِّ والثقافيِّ، يلحظ المتابعُ إصرار بعض الأسماء من كبار السِّن على تصدُّر المنصَّات والمناسبات، من ندوات ومعارض وملتقيات، وحتَّى في التغطيات الصحافيَّة والإعلاميَّة. هذه الظاهرة، التي قد تبدو للوهلة الأولى طبيعيَّة بحكم تراكم الخبرة، تتحوَّل مع الوقت إلى عائق حقيقيٍّ أمام الجيل الجديد من الصحافيِّين والكُتَّاب والمثقَّفِينَ، الذين يسعونَ لانتزاع فرصتهم في الحضور، وصناعة أثرٍ يُعبِّر عن زمنهم.
لسنا هنا بصدد انتقاص دور الجيل الذي قدَّم الكثير، وأسَّس لكثير من المدارس الأدبيَّة والصحافيَّة، لكن المشكلة تكمن حين يتحوَّل هذا الدور إلى احتكار للصوت، والصورة، والفكرة. فالإعلام والثقافة بطبيعتهما فضاء للتجديد والتداول والتنوُّع، وحين يبقى المشهد حكرًا على خطاب تقليديٍّ يعيد إنتاج نفسه، يصبح قاصرًا عن ملامسة نبض المجتمع، ومتأخِّرًا عن إيقاع التحوُّلات المتسارعة.
إنَّ الصحافة اليوم تحتاج لغةً جديدةً، إضافةً إلى القديمة، فالأدب يحتاج أنْ يستلهم تجارب عصره، والثقافة تحتاج أنْ تتنفس بأكثر من صوت ورُؤية. الاستمرار في هذا النهج تحت ذريعة «قلة الخبرة»، يحرم الساحة الإعلاميَّة والثقافيَّة من دماء متجدِّدة، وأفكار جريئة.
المسألة هنا ليست صراع أجيال، بل مسألة توازن صحيٍّ بين خبرة تُقدِّم دروسًا، وتفتح أبوابًا، وشبابٍ يضيفُون رُؤى وأدواتٍ وأساليبَ تواكبُ العصرَ الرقميَّ والإعلامَ التفاعليَّ. إنَّنا بحاجة إلى منصَّات تُبنى بروح المشاركة، تُتيح المجال للصحافيِّ الشَّاب أنْ يكتب، وللأديب الناشئ أنْ يقرأ، وللمثقَّف الطموح أنْ يناقش، جنبًا إلى جنبٍ مع مَن سبقوه.
آن الأوان أنْ تمنح المؤسَّسات الصحافيَّة والثقافيَّة والإعلاميَّة «الشباب» فرصًا حقيقيَّةً لا شكليَّة، وتكسر احتكار المنصَّات، وتؤمن بأنَّ التجديد لا يعني طمس الماضي، هو باختصار؛ تسليم المشعل تدريجيًّا لمن سيُنير طريق المستقبل. فالمشهد الإعلاميُّ والثقافيُّ لا يمكن أنْ يظلَّ أسير وجوه مُكرِّرة. يجب أنْ يتَّسع لصوتٍ جديدٍ قادرٍ على تحريك المياه الراكدة، وإشعال النقاش، وصياغة خطاب يتناسب مع المرحلة، ويقودها نحو الإبداع والتغيير.
نقلا عن "المدينة"