إبحار في أعماق «المصلحة الوطنية»
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
سعدتُ بالإهداء الجميل الذي وصلني من معالي الدكتور نزار بن عبيد مدني، وهو كتاب ثريٌّ حمل عنوان «المصالح الوطنية السعودية: دراسة في مفهوم (المصلحة الوطنية) من التنظير إلى التطبيق»، وجاء ضمن «سلسلة دراسات سياسية سعودية» (4)، التي دأبت على طرح حزمة من القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية السعودية برؤى مبتكرة.
ولعل عنصري التكامل والشمول كانا علامة فارقة في هذا الكتاب، الذي طرح فكراً ومنهجاً جديداً لمعالجة موضوع لم يسبق أن تصدت له أقلام الدارسين والباحثين والمؤلفين - كما يقول المؤلف- الذي استهوانا طرحُه بدءاً من الفصل الأول، الذي تناول التأصيل النظري لمفهوم المصلحة الوطنية، منتقلاً في الفصل الثاني إلى الحديث عن المصالح الوطنية السعودية الحيوية العليا، مُعرّجاً في الفصل الثالث على المصالح الوطنية السعودية الإستراتيجية، متوقفاً في الفصل الرابع مع المصالح الوطنية السعودية التكتيكية.
وكان مما لفتني في طرح المؤلف؛ تأكيده أن صانعي القرارات الخاصة بالسياسة الخارجية السعودية يعلمون أنهم لا يملكون ترف النأي بأنفسهم عن متابعة تطورات الأحداث الدولية، والاكتفاء بالمشاهدة عن بُعد.. لأن التعامل الواقعي والإيجابي مع الأحداث والأزمات الطارئة أو المستمرة يعني أهمية توقُّع تيارات التغيير ونوعية ردود الفعل على ما قد يطرأ من تطورات. لذا، فإن المطلوب في مثل هذه البيئة الدولية المعقدة هو: بلورة الأهداف والأولويات مسبقاً، ومن ثم تحديد الوسائل والمواقف والسياسات الواجب اتخاذها لتنفيذ تلك الأهداف، وهو جوهر المصلحة الوطنية.
لم نستغرب هذه الباقات الفكرية وتلك الرؤى المحلقة في الآفاق المعرفية، من دبلوماسي مخضرم، ووزير فذ، وأكاديمي مرموق متخصص في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حظي بحضور ملفت في المحافل الدبلوماسية، وسكن أسماع متابعيه طيلة خمسة عقود، وتألق في إصداراته التي جسدت باحترافيةٍ أبعاد المناخ الدبلوماسي وشخصياته، وأسر قلوب محبيه ومحبي طيبة الطيبة؛ بإصداره جائزة تاريخ المدينة المنورة الحضاري عام 2021م.
لقد جسّد هذا الكتاب منهج المملكة في علاقاتها الدولية، مبيناً عدم إغفالها الرؤى الاستشرافية وتعزيز التنمية، متّخذة الوسطية سبيلاً، والاعتدال منهجاً، والحوار والتعايش أسلوب حياة، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والقيم الأصيلة، والاستناد إلى مبدأي: الشرعية والمصداقية، بما يرتكزان إليه من مبادئ وقيم، كاحترام المواثيق والتعهدات والاتفاقيات، والتعامل مع الدول على أساس الاحترام المتبادل.
وإننا إذ نُثمِّن الطرح الرصين والفكر المتزن الذي احتضنه هذا السّفر الأنيق، فإننا نقترح أن تتبنَّى جامعاتنا تدريس هذا الكتاب ضمن مناهجها لطلاب العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بما يعزز قدراتهم ويثري معارفهم؛ خاصة في التخصصات المرتبطة بالنظرية السياسية، والسياسة المقارنة والقضايا العالمية المعاصرة.
وأحسب أن معالي المؤلف لن يدخر وسعاً في تقديم الزاد المعرفي في هذا المجال لمنسوبي معهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية، ممن يتم إعدادهم وتدريبهم قبل تمثيلهم للمملكة في الخارج.
دروسٌ وقيمٌ تضمّنها هذا الكتاب، وهي مهداةٌ إلى كل مواطن سعودي، وتحديداً إلى صُُنّاع القرار في السياسة الخارجية، وإلى كل العاملين في السلك الدبلوماسي.
نقلا عن "المدينة"