العدل أولًا.. بين مهنية القرار وضجيج الترند
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كتب أحد المختصِّين في الموارد البشريَّة، منشورًا عن موقفٍ حدث معه أثناء التَّوظيف، لم يكن فيه ما يُثير الجدل، لكنَّه تحوَّل في لحظاتٍ إلى موجةٍ من الهجوم والاتِّهامات.
القصَّة ببساطة، أنَّ شابًّا سعوديًّا تقدَّم إلى وظيفة، وكانت سيرته الذاتيَّة ناقصة، تخلو من التواريخ التي تُوضِّح تسلسل خبراته العمليَّة؛ ممَّا جعل تقييمه صعبًا، وغير مُحدَّد. وبحكم الموقع المهنيِّ لهذا المختصِّ، انتقل إلى مُتقدِّم سعوديٍّ آخرَ، قدَّم ملفًا مكتملًا ومنظَّمًا ودقيقًا، ليمنحه الفرصة التي يستحقها.
القرار كان مهنيًّا تمامًا؛ لأنَّ المسؤول في مثل هذه الحالات مُطالب باختيار الأكفأ للجهة التي يعمل بها. ومع ذلك، وُجِّهت إليه اتِّهامات مؤذية، وطُعِن في نزاهته، وقِيل إنَّه «قطع رزق الشَّاب»، بينما الحقيقة أنَّ الفرصة لم تذهب خارج الوطن، وإنَّما ذهبت لمواطنٍ سعوديٍّ آخرَ أكثر حرصًا على استيفاء متطلَّبات الوظيفة.
ما لم ينتبه له المنتقدُون، أنَّ المنشور كُتب كرسالةٍ توعويَّةٍ للشباب، تحثُّهم على العناية بملفَّاتهم المهنيَّة، وتفاصيل سِيَرهم الذاتيَّة؛ لأنَّ اكتمالها يعكس مدى جديَّتهم واهتمامهم بالفرصة. فالقائمُون على التوظيف ليسوا مُكلَّفين بالبحث عن تفاصيل غائبة، أو استدراك معلومات ناقصة، بل يعتمدُون على ما هو واضح أمامهم من بياناتٍ وسجلَّاتٍ وخبراتٍ.
كثير ممَّن هاجموا القصَّة لم ينظرُوا إليها بعين الإنصاف، فاختارُوا العاطفة طريقًا للتفاعل. ولو كانت النوايا صادقةً، لفرحُوا للشَّاب الآخر الذي اجتهد وقدَّم نفسه بطريقة احترافيَّة، ولشكرُوا المختصَّ الذي أدَّى أمانته بأمانة. أحد المعلِّقين كتب أنَّ المدير سيجد «دعوات آخر الليل»، وكأنَّ العدلَ في الاختيار ذنبٌ. نسي أنَّ الله يُجازي الإنسان على إخلاصه، وأنَّ مَن يضع الثقة في الأكفأ، يؤدِّي واجبه تجاه الوطن والمجتمع. العواطف لا مكان لها في أشياءٍ كهذه. أخي طالب دراسات عُليا في مرحلة الماجستير، عمل ست سنوات في شركة براتب لا يتجاوز أربعة آلاف ريال، وانتهى عقده دون تجديد لأسبابٍ مُعقَّدةٍ، ومع ذلك يُواصل دراسته بهدوءٍ وإصرارٍ، دون شكوى، أو دعاء على أحد. الإنسان السَّاعي نحو رزقه لا ينتظر التعاطف، بل يبذل جهده، ويبحث عن فرصٍ جديدةٍ، دون أنْ يجعل من قصَّته ترندًا على حساب الآخرين.
الوظيفة مسؤوليَّة تتطلَّب كفاءة، والمهنيَّة لا تحتمل المجاملة. الرزق بيد الله، والفرص تُمنح لمَن يستعد لها بجدٍّ واجتهادٍ. مَن لم يُقبَل اليوم، يُمكن أنْ يُقبَل غدًا، حين يُطوِّر ذاته، ومن أُسيء إليه ظُلمًا؛ سيبقى مطمئنًا أنَّ اختياره كان في موضعه الصَّحيح.
هذه القصَّة ليست عن رفض أو قبول، وإنَّما عن الوعي بأهميَّة الالتزام، وعن العدالة التي تُنصف مَن يعمل بصدقٍ، وتضع الكفاءة فوق العاطفة؛ لأنَّ المؤسَّسات تُبنَى بالجهد لا بالعواطف، وبالحق لا بالضَّجيج.
نقلا عن "المدينة"