الوحدة.. نزعةٌ إنسانية
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كثيرُونَ يشعرُونَ بالوحدة، لا لأنَّهم منعزلُونَ، بل لأنَّهم مُحاطُونَ بآخرِينَ غرباء مهما بدوا قريبِينَ، على الرغم من حاجتهم إلى مَن يتفهَّم مشاعرهم، ويحتوي معاناتهم. تقولُ الروائيَّةُ (جورج إليوت): «أسوأ أنواع الوحدة، هي أنْ تعيشَ بين أناسٍ لا يفهمونكَ».
يمكن قياس الشعور بالوحدة؛ بمقدار توفُّر أشخاص يُمكنك مناقشة أمور حيويَّة شخصيَّة خاصَّة معهم بكل طمأنينة وأمان، ولو كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وفي السِّياق ذاته، يشعرُ كثيرُون بالوحدة؛ على الرغم من وجودهم داخل مجتمعهم الصَّغير والكبير، الذي يُقدِّم لهم قدرًا من الدَّعم والاعتراف المَطلوبَينِ، لكن مَن يُعانُون الوحدة؛ لا يشعرُونَ بالاكتفاء العاطفيِّ والنفسيِّ؛ إمَّا لاضطراب شخصيٍّ أو نفسيٍّ، وإمَّا لرداءة نوعيَّة ما يُحيط بهم من السَّند والعلاقات الشخصيَّة.
يلفت (شوبنهاور) انتباهنا إلى أنَّ ما يجعل كثيرِينَ اجتماعيِّين؛ هو عجزهم عن تحمُّل الوحدة، وبالتَّالي عجزهم عن تحمُّل أنفسهم. وعلى الضفةِ الأُخْرى، يتحدَّث الرِّوائيُّ (هاروكي موراكامي) عن نفسه؛ بوصفهِ مُحبًّا للعُزلة، مُفضِّلًا البقاء بلا رفقة، فيُؤكِّد أنَّه لا يجد في الوحدة أيَّ ألمٍ أو عناء، وأنَّه كان دائمًا يُؤْثِر قراءة الكُتب في عزلةٍ تامَّةٍ، أو الاستغراق في الاستماع إلى الموسيقى، على أنْ يكون مع أيِّ شخصٍ آخرَ، ذلك لأنَّ لديه دائمًا أشياءَ يفعلها وحيدًا.
إنَّ الشخص المُتفرِّد (الانطوائي الانتقائي).. شخصٌ مرتاحٌ في وحدته، لديه اكتفاءٌ بنفسه وأفكاره وهواياته ومشاغله التأمُّليَّة، وهو صاحب عقل قويٍّ لا تستفزُّه الجموع، ولا يرتاح بفرط الاختلاط بالنَّاس، ولا يحتمل التهديد أو التلاعب، ولا يتسوَّل الحبَّ والاهتمام، وهو بهذا شخص مكتمل، والآخرُونَ بالنسبة إليه زيادات جميلة منتقاة بعناية، إنَّه يستمتع بمجد العُزلة.
وعمومًا، تجربتنا الإنسانيَّة متوحِّدة، مهما تشاركناها مع النَّاس. مشاعرنا الشخصيَّة متوحِّدة، مهما حاولنا شرحها لغيرنا. آلامنا الفرديَّة متوحِّدة، مهما اجتهدنا في وصفها للآخرِينَ. أرواحنا متوحِّدة، وليس في وسعنا -في أحسن الأحوال- إلَّا نيل قدر قليلٍ جدًّا من التعاطف، أو -إن كُنَّا محظوظين- بعض الفهم والرحمة، فحسب.
وهنا يأتي دور الحب الصادق كإضافة مهمَّة: فهو عزاء وجودي بالغ الأهميَّة؛ إذ يجمع اندماج شخصين في علاقة صحيَّة، بعيدًا عن فرط الوعي بالذَّات، ويُخفِّف الشعور بالوحدة الوجوديَّة. إنَّه وعدٌ بالخلاص من ثقل العدم، يمنحنا طمأنينة المعيَّة ودفء المشاعر.
نقلا عن "المدينة"