على حواف الجنون!

أيمن بدر كريم
أيمن بدر كريم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

بدايةً، أودُّ التنويه إلى أنَّ «الجنون» ليس مصطلحًا فنيًّا دقيقًا في الطبِّ النفسيِّ المعاصر، لكنَّه مصطلحٌ شعبيٌّ دارجٌ يشيرُ إلى اضطراب عقليٍّ شديد؛ يظهر في السلوك أو التفكير، ويُخرج صاحبه عن المألوفات والمعايير الاجتماعيَّة العقليَّة المتَّبعة. ولعلَّنا أحيانًا نطلق على «المجنون» هذا الوصف حين نعجزُ عن تقليده!. يقول الفنَّانُ القديرُ (أحمد زكي) في فيلم (هيستيريا): «إحنا عايشين في مجتمع ضاغط، اللِّي يتصرَّف فيه بإنسانيَّة وببساطة وبتلقائيَّة، يفتكرُوه مجنونًا».

يُمكن للإفراط في الوعي والإدراك، أنْ يزيد القلق والإرهاق، ويدفع بأحدهم إلى حواف الجنون، أو في بعض الأحيان، العبقريَّة! لذلك، يحتاج العقل إلى حماية نفسه بالتجاهل، والإلهاء بالفن، والهوايات والعمل. إنَّنا حين نغرق في تفكير عميق وتأمُّل مُذهل، قد نقترب من حدِّ الجنون، وبهذا نفهم أمورًا غير تقليديَّة، ونستوعب معضلات حيَّرتنا ونحن في وضعيَّة المألوفات العقليَّة، ونسق المنطق العام!.

أمَّا الحُبُّ، فيتطلَّبه اهتمامًا جمًّا، وقدرة فائقة على تحمُّل الارتباط، واستنزاف الطاقة وفرط التفكير والهيام، قد يتسبَّب في انتهاء تجربته بالفشل أو الملل، أو المرض، أو الجنون.. وما «مجنون ليلى» عنَّا بغريب!.

يقول (دوستويفسكي) في رواية «الجارة»: «إنَّ قلبه يرنُو إلى ضمِّ قلبها، إنَّه يصبو إلى أنْ ينسى نفسه معها في عناق مجنون جامح حتَّى ليموتا معًا».

إنَّ معظم المشاعر والوساوس والأفكار والنَّزوات التي تعرِضُ لكَ، تعرِضُ أيضًا لكثيرِينَ غيرك، لكنَّ العاقل يتباين عن المجنون بقدر إخفائه لنزواتهِ وأفكارهِ وسلوكياتهِ وهوسهِ، والتَّظاهر بالثبات الانفعاليِّ والاستقرار النفسيِّ. يقول الدكتور (علي الوردي): «لقد كان القدماء يعتقدُونَ أنَّ الإنسانَ حيوانٌ عاقلٌ، والواقع أنَّه حيوانٌ مُتحذلقٌ، يتظاهر بالتعقُّل وهو في الحقيقة مجنونٌ على وجه من الوجوه».

وختامًا، يمكن للبلاهة التَّامة، أنْ تحمي صاحبها من الجنون أو الاكتئاب، وتجلب له السَّكينة والاطمئنان. لذلك ينصحنا أحدُهم بأنْ نحافظ على الجزء المجنون في عقولنا؛ لكي نستخدمه عند الحاجة، فالحياة دون فلتات جنون، يمكن أنْ تكون مملَّةً للغاية!. وفي الأدب العربيِّ القديم، تُروَى حكمة تتناول الإفراط في التفكير والتعقُّل والتردُّد: «إذا كان العقلُ تسعة أجزاءٍ، احتاج إلى جزءٍ من الحمق يتقدَّم في الأمور! فإنَّ العاقل أبدًا مُتوَانٍ، متوقِّفٌ، متخوِّفٌ».

نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط