طفل هارب في بازان الطائف!!
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
كان ذلك قبل عقود.. فضلًا لا تسألُونِي عن عُمْري الآن، حتَّى لا أُصاب بالإحباط! وتحديدًا في أوَّل يوم من حياتي المدرسيَّة، حين كُنْتُ طفلًا في السادسة من عُمْري، ومقبولًا في مدرسة ابن خلدون الابتدائيَّة بِحيِّ اليمانيَّة بمدينة الطائف.
بالمناسبة، ما زالت المدرسة موجودةً حتَّى الآن، وتُخرِّج أجيالًا وراءَ أجيالٍ فداءً للوطن العظيم الذي اسمه المملكة العربيَّة السعوديَّة، وكم أتمنَّى زيارتها كمهندسٍ وكاتبٍ قد ساهمت هي في صقله وتثقيفه.
وكان بيتُنَا يطلُّ على المدرسة، مقابل مسجد محمد بن سرور، فوقفت لي أُمِّي -يرحمها الله- من خلف باب البيت المُنفرج قليلًا؛ كي لا يراها رجلٌ، وكانت تلبس عباءتها كما لو كانت خارج البيت، وهي تدفعني برفقٍ بيدها النَّاعمة، وأنا مثل الغراء الإنجليزيِّ اللَّاصق بالباب، قائلةً: (هيَّا بلا دلع، رُوح وقُلْ للأستاذ الواقف عند باب المدرسة أنا طالب جديد، وهو يعمل الباقي)، بينما الطالب الجديد الذي هو أنا، مُتردِّد، وأتقدَّم خُطوةً وأعود خُطوتَينِ، وأصابتنِي نوبةُ هلعٍ (Panic attack) وكيف لا؟ وأنا على أعتاب نقلةٍ هائلةٍ من نعيم الطفولة المُدلَّلة في أحضان الوالدَيْن إلى جحيم المسؤوليَّة والتَّعايش مع الغرباء، ولو في مجال التعليم!.
وقبل وصولي إلى باب المدرسة، ارتجفَ قلبي مثل ارتجاف قلب عصفور النُغْري الذي يكثر وجوده في الطائف، وقد أمسكه الصيَّاد، وفي انتظار نزع رقبته عن باقي جسمه! وسلخه من ريشه! وطبخه على النَّار! ليستمتع الصيَّاد بأكله بأنيابه الحادَّة! فعمِلْتُ تحويلةَ هروبٍ من باب المدرسة إلى الشارع الآخر المُجاور لها، مثلما تعمل شركات الخدمات تحويلاتها في الشوارع عند تنفيذ المشروعات!.
ورست سفينةُ هروبي في بازان حيِّ اليمانيَّة، وهو مبنى قديم ومرتفع عن الأرض، ويُوصل إليه بواسطة سلالم خرسانيَّة كبيرة، وهو عبارة عن بئر مبنيَّة بالحجارة، وتتجمّع فيها مياه الأمطار والآبار (كذلك ما زالت هي موجودةً حتَّى الآن، ولكن بلا مياه إذ نضبت مع السِّنين)، فجلسْتُ أبكي على الدَّرج، وكأنِّي رجلٌ مُسِنٌ يحمل فوق رأسه هموم الدُّنيا الثَّقيلة، بينما العُمَّال اليمنيُّون الذين كُنَّا نُطلِق عليهم اسم (السَقَّا) يملأ كلٌ منهم تنكتَيْن فارغتَيْن ونظيفتَيْن بالماء، ويعلّقونهمَا على خشبةٍ أو ماسورةٍ حديديَّةٍ، ويحملونهمَا على أكتافِهم لبيع المياه للبيوت، وهذا طبعًا قبل عصر تصنيع قوارير المياه الصحيَّة وغيرها من وسائل الرَّخاء، وتسهيل سُبُل الحياة التي ننعم فيها الآن بفضل الله.
وكان أحد السُّقاة يعرف أبي، وقد رصد هروبي من باب المدرسة، فاتَّجه فورًا لبيتنا، وأخبر أُمِّي التي أيقظت شقيقي الأكبر عبدالرحمن، وكان في إجازةٍ من مقرِّ عمله في الرياض، فهرع إليَّ وأمسك بيدي مثلما يُمسِكُ الشرطيُّ بأيدي المُجرمِينَ، وأدخلني بالقوَّة للمدرسة التي قابلنا فيها مديرها -آنذاك- وهو الأستاذ عبدالرحمن المُسفر -إنْ لمْ تَخُنِّي الذَّاكرة- وهو من عائلة تُشجِّع نادي الوحدة في عصره الذهبيِّ الذي أتمنَّى أنْ يعود، واستشفع لي عن هروبي في أَوَّل يومٍ دراسيٍّ، فهدَّأ المديرُ من رَوعي، وأدخلني الفصل الذي ما زلتُ أتذكَّره حتَّى الآن، وهو فصل ١/ج، يعني: أولى ابتدائي/ ج، في الطَّابق الثَّاني من مبنى المدرسة فوق مقصف المدرسة، وانحشرْتُ مع حوالى درزنَيْن من الطُلَّاب الصِّغار، نُردِّد وراء الأستاذ سعيد كُزمار (سوري الجنسيَّة) بصوتٍ يسمعه الجيرانُ على بُعْد عشرات الأمتار:
أَلِفْ فتحةَ أَا، ألِفْ ضمَّة أُو، ألِفْ كسرة إِي..!!.
وزالت الهيبة، وبدأ التحصيل العلمي اللازم لكلِّ إنسان، كائنًا مَن كان!.. وسَلامَتكُم.
نقلا عن "المدينة"