شهامة في محطة بنزين!!

طلال القشقري
طلال القشقري
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

بعد صلاة فجر يوم الجمعة الماضي، أنذرتنِي سيَّارتي الصِّينيَّة ذات العُيون الوسيعة، عكس عيون الصينيِّين الضيَّقة، بأنَّ بنزينها على وشك النُّضوب، فسُقتُها سريعًا لإحدى محطَّات البنزين القريبة، ناسيًا الإشعار الذي أتانِي على جوَّالي خلال الليلة الفائتة من البنك، الذي أتعامل معه بأنَّ بطاقاتي البنكيَّة ستكون مؤقَّتًا خارج الخدمة صبيحة يوم الجمعة، لتحسين التجربة، الذي يُقصد به الصِّيانة الدوريَّة للقنوات الإلكترونيَّة، والبنوك تُجيد التَّلاعب بالألفاظ؛ كي تبدُو جميلةً في عيون عملائها، كما بدت ليلى العامريَّة جميلةً في عيون قيس بن المُلوَّح!.

وهكذا عبَّأتُ خزَّان سيارتي بالبنزين من أخمص قدميه لقمَّة رأسه، وكان سعره ١٥٠ ريالًا ينطح أخاه الريال، وأخرجْتُ محفظتِي بما فيها من بطاقات، وأنا واثقُ الخُطوةِ يمشِي مَلَكًا مثلما صدحت كوكبُ الشَّرق الرَّاحلة أمُّ كلثوم في أغنيتها (الأطلال)، وألصقتُها بآلة السَّحب التي يحملها عامل المحطَّة اليمنيُّ الجنسيَّة، ففاجأني العامل بأنَّ العمليَّة مرفوضةٌ، فكرَّرتُها على كلِّ ما لديَّ من بطاقات مدى، وبطاقات ائتمانيَّة، وكانت النَّتيجة واحدةً: مرفوضة يا ولدي!.

وهنا تذكَّرْتُ الإشعارَ البنكيَّ، وأيقنْتُ أنَّني وقعْتُ في ورطةٍ، فجيوبي خاليةٌ من النَّقد، والوقتُ في الصباح المُبكِّر حيث يغطُّ فيه كلُّ مَن أعرف في نومٍ عميقٍ، لا يمكن معه الاستنجاد بهم، فبدأتُ أشرحُ للعامل الذي لا يعرفنِي شخصيًّا عن المشكلة بحرجٍ شديدٍ يُصيب المدينِينَ المتعثِّرِين في حضرةِ الدائنِينَ المتسلِّطِين، غير أنَّه ابتسم وقال: ليس عندك مشكلة، اذهب وأحضر المبلغ، وأنا سدَّاد، هكذا بلا ضمان، ولا رهن، ولا نظرات ريبةٍ وشكٍّ تُشكِّك في نوايايَ، فأكبرْتُ ثقتَه في زمنٍ تُقَاسُ فيه المصداقيَّة بكلمة سرٍّ إلكترونيَّةٍ مُكوَّنة من ٤ أرقام، وتُبنَى فيه العلاقات التجاريَّة على عبارة (أرسل لي موقعك) ويُعامل فيه الإنسان ليس كبريءٍ حتَّى تثبت إدانته، بل كمتَّهم حتَّى تثبت براءته!.

وللأمانة هناك الكثيرُ من العُمَّال اليمنيِّين ممَّن يتَّصفُون بالشَّهامة رغم فاقتهم الشَّديدة، ولا ننسى قول النَّبيِّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عن وفد أهل اليمن القادم لبيعته: (أتَاكُم أهلُ اليَمنِ، هُم أَرقُّ قُلوبًا، وأَلينُ فُؤادًا، الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيَّةٌ)، والشَّهامة من بنات القلوب الرَّقيقة والأفئدة الليِّنة.

وهنا أدرك شهرزاد الصَّباح، وتغشَّاها النُّعاس، وسكتت عن الكلام المُباح، أمَّا أنَا فأخيرًا، وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا، أطلق بنكي العزيز سراحَ ما في جُعبةِ بطاقاتِي من زنزانةِ التَّعليق؛ بسبب الصيانة، فسحبْتُ المبلغَ نقدًا، وهرعْتُ للمحطَّة لأجدَ العاملَ الشَّهم يفترشُ رصيفَ محطَّته، ويتناول فطورَه البسيط المُكوَّن من التميس والجُبن، وسدَّدْتُ ما عليَّ من دَيْنٍ للمحطَّة، وأهديتُه هو ما شاءَ اللهُ أنْ أهديهُ، والحمدُ للهِ علَى نعمةِ الحياةِ في السعوديَّة، إذ لو كنتُ في بلاد برَّة لاستدعُوا لي الشُّرطة، ولامتلأت الصُّحف ووسائل التَّواصل الاجتماعيِّ بخبر عن مواطنٍ سعوديٍّ يحتالُ على محطَّة بنزين خارج بلده!.

نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط