(أحبُّك..) أم الصداقة.. أم الطلاق العاطفي؟!

حليمة مظفر
حليمة مظفر
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

بعيدًا عن كون الفيلسوف فريدريك نيتشة عاش وحيدًا، ولم يتزوَّج قط، وحياته العاطفيَّة معقَّدة خاصَّةً بعد قصَّة حبِّه الوحيدة للأديبة الروسيَّة اليهوديَّة
لو سالومي، والتي جعلته ناقمًا على اليهود بعد تركها له، مع ذلك فلنيتشة حكمة حيويَّة تتعلَّق بالزَّواج، هي «ليس نقصَ الحُبِّ، بل نقصُ الصداقةِ؛ ما يجعل الزَّواج غيرَ سعيدٍ»، لماذا؟! لأنَّ الحُبَُ قد ينتهي بين الزَّوجين، يتناقصُ ويفترُ مع مرور السنوات، في ظلِّ الحياة الروتينيَّة الممتلئة باحتياجات الأسرة، ومتطلَّباتها الماديَّة، وهذه هي الطبيعة الإنسانيَّة، يظلُّ الإنسانُ معلَّقًا بما يحُبُّ حينما يُحرَم منه، ومتى امتلكه ركضَ يبحث عن معركة جديدة لمشاعره، فمثلًا، مجنون ليلى «قيس بن الملوَّح» -في ظنِّي- لو أنَّه تزوَّج من ليلى العامريَّة التي جُنَّ بسبب حرمانه منها، ما سمعنا يومًا بهذا العشق لشاعرٍ على مرِّ التاريخ، ولو تزوَّجها لتحوَّلت ليلى إلى الظلِّ في حياته، وربَّما سمعناه يتغزَّل بأخرى لا يستطيع نَيلهَا! هكذا هم معظم الشُّعراءِ الغزليِّين، يبحثُونَ عن ملهمةٍ لا ينالونهَا توقظ جذوة الشاعريَّة، فالإبداعُ يُولدُ مِن رَحمِ المعاناةِ.

والحبُّ باختصارٍ، لذَّةٌ شعوريَّةٌ وقتيَّةٌ تكمنُ في القلب، وقد لا تتجاوزه، لكنَّه مَن يُمهِّد الطريق إلى الاستمراريَّة، أو اللا استمراريَّة! كيف؟! حين يتم استثماره في توطيد الصداقة بين الزَّوجين، ومع الأسف كثيرٌ من الأزواج يهدرُونَ وقتهم في توطيد الحبِّ مع شريك الحياة، دون اهتمام بتوطيد صداقتهما التي أهمُّ ما فيه فن (الاستماع والتفهُّم)، وإذا ما فطنا إلى أهميتها، هي مَن تخلق المودَّة، والتي جاء ذكرها في القرآن الكريم، لقوله تعَالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، فهناك فرقٌ كبيرٌ بين الحُبِّ والمودَّةِ، الأوَّل مشاعرُ قلبيَّةٌ يؤجِّجها الانجذابُ القويُّ، ومتى تحقَّق المرادُ، وانعدم الانجذابُ يفتر؛ ما لم يتم تعزيزه بما يعزِّز أسباب الانجذاب، كالجَمَالِ مثلًا قد يزول أو يصبح ممِّلً،ا فيزول معه الحُبُّ، بينما المودَّة أكثر عمقًا، إنَّها أفعالٌ يعزِّزها الانسجامُ والرَّحمةُ والتَّفاهمُ بين الزَّوجَينِ، فلا يحتاج أيٌّ منهما قول (أحبُّك) كلَّ يوم؛ لأنَّه يؤكِّده ما يقوم به كلُّ طرف من اهتمام ورعاية للآخر، ولهذا المودَّة تؤسِّس علاقة مستمرَّة سعيدة، وحين تُفقَد بين الزَّوجين تصبح (أحبُّك) كلمةً عابرةً، وقد تتحوَّل الحياة معها إلى روتين مملٍّ، وعلاقة ميكانيكيَّة! مجرَّد غريزة وواجبات وحقوق متبادلة، خالية من الحوار والمُتعة، وتمشي بالبركةِ، وهنا أتذكَّر مقولةً أعجبتني «غياب التَّواصلِ العميق قد يؤدِّي إلى انفصالٍ عاطفيٍّ رغمَ استمرارِ العلاقةِ» للأديب الروسيِّ ليو تولستوي، الذي عاش حياةً زوجيَّةً طويلةُ (48 عامًا) مع زوجته صوفيا، التي تصغره ب16 عامًا، أنجبا فيها 13 ولدًا، وكانت صديقةً وقارئةً وناسخةً لما يكتبه زوجُها، ويكفي أنَّها نسخت روايته (الحرب والسَّلام) سبع مرَّات للوصول بها إلى النسخة النهائيَّة.
إنَّ الصداقة العميقة بين الزَّوجين هي من تتصدَّى لما يُسمَّى ب»الطَّلاق العاطفيِّ»، هذا الشبح الذي قد يحيط بالكثيرِينَ، وقد يكبر مع التراكمات، والإهمالِ، وعدم قدرة أحدهما على التَّعبير، ومشاركة الآخر لمخاوفهِ وأسرارهِ، فتستمر العلاقة شكليَّةً تحت سقفٍ واحدٍ دون التواصلِ والشَّغفِ والوئامِ، وكأنَّ كلًّا منهما في جزيرةٍ منعزلةٍ!
أخيرًا، توطيد الصداقة الودودة بين الزوجين أعمق بكثير من مجرد سماع (أحبُّك)، خاصةً إذا وصل الحال لأنْ يتسولها أحدهما من الآخر.

نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط