غــــــــزو
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
يَكشف تاريخُ الغزو عن مفارقاتٍ كثيرةٍ في سلوك البشر والدول عبر العصور. وبسبب كثرة الحروب والصراعات، لا توجد إحصاءاتٌ رسميَّة دقيقة لعدد الغزوات، لكن من اللَّافت أنَّ الدِّراسات كثيرًا ما تُحصي الدول التي لم تُغزَ بدلًا من الدول التي تعرّضت للاحتلال.
ومن الأمثلة الحديثة تشير تقديراتٌ متداولةٌ إلى أنَّ الإمبراطورية البريطانية وصلت، بدرجاتٍ متفاوتة، إلى احتلال نحو 171 دولة من أصل نحو 195 دولة في العالم اليوم؛ وكان بعض ذلك يأخذ طابع التدخلاتٍ العسكريَّةِ العابرة بدلًا من الاحتلال طويل الأمد. وتحديدًا، فخلال الفترة من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين، سيطرت بريطانيا على نحو 35 مليون كم² من مساحة اليابسة العالميَّة البالغة قرابة 149 مليون كم²؛ أي ما يقارب ربع يابسة الأرض، ولذلك وُصفت بأنَّها الإمبراطوريَّة التي «لا تغيبُ عنها الشَّمسُ».
ومن العجائب الحديثة، ما أورده رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون في مذكََّراته «إطلاق العنان Unleashed»، إذ تحدَّث عن نقاشٍ «افتراضيٍّ» في مكتبه خلال أزمة كورونا عام 2021 حول احتمال تنفيذ عمليَّةٍ للسيطرة على مدينة «ليدن» الساحليَّة الهولنديَّة، حيث صُنِّعت نحو خمسة ملايين جرعة من لقاح «أسترازينيكا»، بعد تعثُّر وصول الكميَّات المطلوبة إلى بريطانيا. وانتهى الأمر إلى التكتُّم على ذلك النقاش؛ لأنَّ البلدين حليفان، ولا يُقبل حتى التفكير في مثل هذا السيناريو. تخيَّل أنَّ في هذا الزَّمن يتم التفكير في أنْ تقوم بريطانيا بغزو هولندا.
ولا تُقاس فداحة الغزو بالمساحة وحدها، بل بما يخلِّفه الاحتلال في حياة النَّاس، وسجل الإنسانيَّة. ورغم تركُّز الاهتمام العالمي في السنوات الخمس الماضية على احتلال روسيا لأجزاءٍ من أوكرانيا، ضمن الصِّراعات العالميَّة المختلفة، فإنَّ اسرائيل تظلُّ المثال الأبرز في أدوات الاحتلال وتنوِّعها. تمارس أنشطة متنوِّعة تشمل الغزوٍ العسكريٍَّ المباشر «الحاد»، كما يظهر في الاستيلاء على أراضٍ جنوب لبنان الشقيق من جانب. ومن جانب آخر نجد أنشطة مبرمجة لاحتلالٍ متدرِّج «مزمن» بداخل فلسطين عبر التمدُّد الاستيطانيِّ في الضفَّة الغربيَّة، وحول القدس. ويُقدََّر عدد المستوطنات بأكثر من ثلاثمئة مستوطنة بأحجام مختلفة، ويقطنها نحو سبعمئة ألف مستوطن. وكل ذلك الغزو يجري على مرأى العالم، دون اكتراثٍ يُذكر بالقانون الدوليِّ، أو بالاعتبارات الإنسانيَّة، وكأنّّنا نعيش في العصور المظلمة، بعيدًا عن القوانين الدوليَّة، والاعتبارات الإنسانيَّة.
أمنية
من نعم الله التي لا تُعدُّ ولا تُحصَى على هذا الوطن، أنَّنا لم نشهد غزوًا عسكريًّا لأراضي المملكة عبر تاريخنا. أتمنَّى أنْ يتذكَّر الجميعُ أنَّ هذا الردع هو بتوفيق الله، ثمَّ بجهود القيادة، وأبناء الوطن المخلصِين في حماية كل شبرٍ من أرضنا جوًّا، وأرضًا، وبحرًا، وفي مختلف مجالات الدفاع. وما خفي من تفاصيل محاولات الاعتداء والغزو حول العالم، قد يكون أعظم ممَّا نعرفه اليوم، وقد تكشف الأيام شيئًا من ذلك، والله أعلم.
وهو من وراء القصد.
نقلا عن "المدينة"