ظاهرة الثري الصغير

فهد مطلق العتيبي
فهد مطلق العتيبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
دقيقتان للقراءة

يطل علينا في فضاء وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام ما يمكن تسميته ب"ظاهرة الثري الصغير"؛ شاب في مقتبل العمر يُسوَّق بوصفه قصة نجاح استثنائية، فمن مدير تنفيذي في سن الخامسة عشرة، إلى مليونير قبل سن الثامنة عشرة. يطلق هذا الثري أحكامًا قاطعة وخطيرة من قبيل: "من لم يجمع مليونَه الأول في سن 18 فهو فاشل".

هذه السرديات الجذابة ظاهرياً تخفي إشكاليات عميقة تمس وعي المراهقين وتشكُّل تصوراتهم عن النجاح والحياة، بل وعن ذواتهم. ولعل أول الآثار السلبية يظهر في الجانب النفسي؛ إذ تزرع هذه الخطابات شعوراً مبكراً بالعجز والدونية لدى من هم في طور التكوين. فكما نعلم، إن المقارنة غير الواقعية تُنتج قلقاً مزمناً، وتدفع بعض الشباب إلى جلد الذات أو الانسحاب من الدراسة، لأن معيار النجاح قُدّم لهم باعتباره ثراءً سريعاً لا مساراً تراكمياً.

أما اجتماعياً، فإن هذه الرسائل تُعيد تشكيل القيم، فتُقدم الثراء السريع على حساب التعليم والعمل الجاد. وقد ينشأ عن ذلك توتر داخل الأسرة، وتراجع في تقدير المدرسة بوصفها طريقاً للترقي المعرفي، بل وقد يتسع الفارق بين التوقعات والواقع، ما يفضي إلى الإحباط وفقدان الانتماء لمسار التعليم النظامي.

وعلى الصعيد التعليمي، تُضعف هذه السرديات الدافعية للتعلم، إذ يُختزل النجاح في رقم مالي، لا في مهارات ومعارف تُبنى عبر سنوات. بعض المراهقين قد يتركون الدراسة أو يهملونها سعيًا وراء "اختصارات" يروِّج لها هذا الخطاب. أما فيما يخص البعد الأمني، فالخطورة تكمن في قابلية الفئة العمرية المستهدفة للانجذاب إلى وعود الربح السريع، ما يجعلهم أكثر عرضة للاحتيال المالي، أو الانخراط في أنشطة غير نظامية تحت غطاء "ريادة الأعمال". كما قد تستغل بعض الجهات هذه القابلية لتسويق منتجات أو دورات مضللة.

إن مواجهة ظاهرة "الثري الصغير" لا تكون بالمنع فقط، بل ببناء وعي نقدي لدى الشباب، وتعزيز نماذج نجاح واقعية تُظهر قيمة التدرج، وربط الطموح بالتعليم والمهارة. فالثروة الحقيقية تبدأ من رأسمال معرفي وأخلاقي، لا من أرقام تُصاغ للاستهلاك الرقمي. فالخطورة ليست في الطموح، بل في تسليع الطموح وتحويله إلى معيار رقمي ضيق. فحين يُختزل النجاح في "مليون قبل سن 18 سنة"، فإننا نفقد المعنى التربوي للحياة، ونستبدل البناء الهادئ بضجيج الوهم. ولنتذكر أن الإصلاح يبدأ من المدرسة والأسرة معاً، ومن خطاب إعلامي يعزز القيم المجتمعية ولا يزعزعها.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط