موت المركز.. فلسفة التفكك الأسري
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
إن الشريان الأورطي لا ينفجر، بل يتصلب، ويفقد مرونته، ويتشقق من الداخل بصمت، ثم ينهار الجسد كله، هكذا الأسرة في عصرنا هذا، لم تعد تموت بضربة طلاق واحدة، بل تموت بتصلب الشرايين العاطفية بين ساكنيها.
التفكك الأسري ليس حدثا قانونيا يوثق في المحاكم، بل نوبة قلبية صامتة تصيب كيانا اسمه "نحن"، بيت كامل الأجساد خال من الأرواح: أب في غرفته، أم على شاشتها، أبناء في عوالمهم، الكل موجود، ولا أحد حاضر.. فيضيع الكل بين "نحن" و"الأنا المتعددة". فقد كانت الأسرة قديما مركز الجاذبية، لها لغة سرية، ذاكرة مشتركة، طقوس مقدسة: فطور الجمعة، حكاية قبل النوم، توبيخ الأب، دعاء الأم. كان هناك "مركز" تدور حوله كل الأقمار.. ثم جاء عصر المركزية، الليبرالية الفردية قالت للإنسان: أنت سيد نفسك، السوشيال ميديا قالت له: أنت علامة تجارية، اقتصاد السوق قال له: أنت منتج يجب أن ينجح، فمات المركز! مات لأنه الأوحد كما في عالم العولمة، بعده كل المراكز الصغيرة. لم يعد هناك شيء مقدس يجمعنا، فصار كل فرد في جزيرة ذات سيادة، ترفع علمها الخاص وتتفاوض مع الجزر الأخرى بمعاهدات مؤقتة اسمها الزواج.. النتيجة: نحن لا نعيش في بيوت، نحن نسكن في فنادق يمر بها الغرباء صدفة!
وهنا تختل المعايير باختلال الجاذبية، لكي تدور الكواكب حول الشمس، يجب أن توجد جاذبية لكي تدور الأسرة حول مركزها، يجب أن توجد معايير.. قديما كانت معايير الأعراف، الدين، الحياء، ما نسميه بالأصول، الخوف من كلام الناس، قدسية العهد، معايير قاسية، نعم، لكنها كانت تمسك بتلابيب البيت من الانهيار.. اليوم اختلت المعايير العلمية والإنسانية معا، حيث أصبحت الفردية "الأنا" هي المعيار الأعلى، حتى لو هدمت البيت، أصبح" حقي" أهم من "واجبي" فأصبحت السعادة اللحظية أهم من الاستقرار الدائم.
هذا هو الاختلال الجيوسياسي على مستوى الميكرو خريطة غرف النوم، حيث تغيرت الحدود وتآكلت، وكل كوكب في الأسرة أصبح له مداره الخاص يبحث عن شمس جديدة!
ولنا في هذا المقام أن نقدم ثلاثة وجوه لموت المركز: (الطلاق، العزوف، المسيار).
فالطلاق: هو الموت الرحيم للمركز، هو شهادة الوفاة الرسمية.. اعتراف بأن (النحن) فشلت في البقاء على قيد الحياة، هو موت رحيم، قاس، لكنه صادق، يقول الزوجان "فشلنا في أن نكون مركزا لبعضنا".. فلسفيا الطلاق هو أهون الشرور، لأنه ينهي عذاب الوجود مع غريب، لكنه يترك أثره: أطفال أيتام لآباء أحياء، وقلوب تؤمن أن كل عهد قابل للكسر!
أما العزوف عن الزواج فرفض فكرة المركز من الأساس.. وهنا الكارثة الأعمق؛ جيل كامل قرر ألا يبني بيتا، ألا يشكل نواة (إلكترون تدور حولها النيترونات) لماذا؟ لأن فكرة المركز نفسها أصبحت مرعبة، المركز يعني الالتزام، الصدق، التفاني، التضحية، والذوبان في الآخر، يعني "أنا" ناقصة بدون "أنت".. والإنسان المعاصر، ابن الحداثة الجديدة (اللامركزية) تربي على أن كماله في استقلاله، فصار يرى الزواج قفصا، والأبوة قيدا.. العازف عن الزواج لا يرفض شخصا، هو يرفض الفلسفة كلها، يرفض أن يكون جزءاً من كيان أكبر منه هو Dasein يعلن استقلاله المطلق، لكنه لا يدري أنه حكم على نفسه باليتم الوجودي، بيت بلا أطفال هو قبر مؤجل.
أما زواج المسيار فتشريح المركز بسكين باردة.. فالمسيار هو أخطر الأقنعة الثلاثة، لأنه لا يعلن الموت مثل الطلاق، ولا يرفض الحياة مثل العزوف.. هو يرتدي قناع الحياة لكنه جثة.. فلسفيا، المسيار هو "عبثية المركز"، اعتراف صريح أن الإنسان لا يقدر على العيش وحيدا، فهو يبحث عن دفء الآخر، عن أنثى، عن سكن، لكنه في اللحظة نفسها يرفض فلسفة السكن ذاتها: الاستقرار، المسؤولية، أن يكون البيت "ملاذا" وليس "فندقا بالساعة".
المسيار يفصل بين غريزتين لا تنفصلان في طبيعة الإنسان: غريزة الجسد وغريزة المعنى.. يريد زوجة بلا بيت، وأما بلا أطفال، وعهدا بلا شهود! والنتيجة أصبحت وجودية بحتة، فالمرأة تحولت من مركز إلى محطة عابرة، كرامتها تصبح مشروطة بتنازلها.. وهذا ضد فكرة "الأورطي"، لأن الأورطي لا يعمل إذا كان نصفه فقط.
أما الرجل فيخدع نفسه أنه حقق المعادلة الصعبة: الحرية والسكن، لكنه في الحقيقة فقد الاثنين فصار لاجئًا بين بيتين! والأطفال يولدون في فراغ عاطفي؛ بلا أب حاضر، بلا بيت جامع.. وهذا هو التفكك الأسري في أقسى صوره: تفكك قبل أن يبدأ البناء!
أما المسيار فليس حلا، بل هو مسكن موضعي لمرض اسمه الخوف من "المركز"، مسكن يخدر الألم ساعة، يسرع تصلب الشرايين، هو اعتراف ضمني بهزيمة "النحن" لكنها هزيمة بورق شرعي.
والثلاثة كلها هروب من قانون واحد لا يقبل الهروب: لا مركز بلا تضحية، ولا أورطي بلا نبض مشترك!
والسؤال الساذج: كيف نمنع الطلاق؟
السؤال الفلسفي الحقيقي: هل مازلنا نؤمن بقدسية "النحن"؟
هل لدينا شجاعة أن نكون مركزا للآخر، وأن نقول: حريتي ناقصة بدونك، بدلا من حريتي فوقك؟ فأسرة بلا مركز هي مجرد سكن ينتظر الهدم، وأمة بلا بيوت متماسكة، هي أمة بلا أورطي، جسد ضخم، لكن قلبه مقطوع.
نقلا عن "الرياض"