الحرب وثقافة التخطيط

مشاري النعيم
مشاري النعيم
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

في لحظة تاريخية تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع الأسئلة العميقة حول مستقبل المجتمعات، تبدو الحاجة إلى إعادة التفكير في مفهوم التخطيط أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالحرب، بما تحمله من اضطراب، لا تُعيد فقط تشكيل الخرائط السياسية، بل تُعيد أيضاً تشكيل الوعي، وتدفع المجتمعات إلى مراجعة أدواتها وقدرتها على قراءة الزمن. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التوقف عند الفارق الجوهري بين التخطيط بوصفه ممارسة رسمية، وبين التخطيط بوصفه ثقافة مجتمعية تتغلغل في طريقة التفكير اليومية.

هناك فرق كبير بين أن تعمل الدول على وضع خطط استراتيجية وعمرانية للتنمية بعيدة وقريبة المدى وبين أن تصبح عقلية التخطيط ثقافة مجتمعية كامنة في البنية الذهنية التي يفكر بها الأفراد والجماعات، لأن العقل المخطط المجتمعي يعني وجود "الاستشراف" أو التوقع المستقبلي. هناك مقولة معروفة هي أن العقل المُفكّر هو ذلك العقل القادر على توقع الاحداث وأخذ الاحتياطات المبكرة تجاهها وعندما يفقد العقل هذه المهارة يصبح عقلا عاديا.

وهذا التمييز بين التخطيط الرسمي والتخطيط الذهني ليس مجرد اختلاف في الأسلوب، بل اختلاف في البنية العميقة التي تحدد قدرة المجتمع على الصمود. فالدول التي تمتلك خططاً دون أن تمتلك عقلاً جمعياً مخططاً تظل رهينة المفاجآت، بينما المجتمعات التي يتجذر فيها الاستشراف تتحول إلى كيانات قادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، وعلى بناء مستقبل لا يقوم على ردود الفعل، بل على الوعي المسبق.

ربما فرضت الحرب الأخيرة توجها تخطيطيا مغايرا عن السابق فلا يمكن أن نقول بعد الآن إن التخطيط هو مهمة حكومية فقط، بل يجب أن يصبح ضمن العقل الجمعي. قد يرى البعض أن هذا التوجه موجود أصلا؛ فكل فرد في المجتمع يحاول طوال حياته أن يضع خططا لتطوره الوظيفي ولزيادة دخله المالي وربما لديه تصورات حول مستقبل أبنائه. لكن يبدو لي أن أهم ركن وهو استشراف المستقبل غير واضح بما يكفي. كان ولا يزال السؤال المطروح هو هل يمكن بناء عقلية التوقّع على المستوى المجتمعي؟ وهل هذه العقلية يمكن تعليمها أو وضع مناهج لها أم هي جزء من التنشئة الاجتماعية التي يفترض أن يكتسبها افراد المجتمع منذ نعومة أظافرهم؟

وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل التخطيط من مهارة فردية إلى بنية ذهنية جمعية؟ فالتخطيط الفردي، مهما كان ناضجاً، يظل محدود الأثر إذا لم يتحول إلى وعي عام. والاستشراف، بوصفه قدرة على قراءة المستقبل، لا يُكتسب عبر التعليم وحده، بل عبر بيئة اجتماعية تُشجع على التفكير النقدي، وعلى فهم العلاقات بين الظواهر، وعلى إدراك أن المستقبل ليس حدثاً يقع فجأة، بل نتيجة مسار طويل من الإشارات الصغيرة التي يجب التقاطها مبكراً.

في اعتقادي أن الحرب وضعت المنطقة في اختبار مستقبلي معقد، والتخطيط أساسا يهتم بالمستقبل مما يجعل هذا الاختبار دافعا لإعادة النظر في كل القضايا التنموية والتعليمية وتعيد ترتيب بيتنا الداخلي وعلاقاتنا الخارجية. ربما تصنع هذه الحرب وعيا جديدا على مستويين، الأول وعي بالذات وبالدور الذي يفترض أن يقوم به كل فرد داخل المجتمع الكبير، ووعي عام مرتبط بالاستقرار المجتمعي والأمني والاقتصاد. الأول يعني الشعور بالمسؤولية الفردية، والثاني يؤكد أهمية المسؤولية الجماعية.

وهذا الوعي المزدوج، الفردي والجماعي، يشكل حجر الأساس لأي مشروع تنموي قادر على الصمود. فالمسؤولية الفردية تمنح المجتمع طاقته، بينما تمنحه المسؤولية الجماعية توازنه. وعندما تتكامل هاتان القوتان، يصبح المجتمع قادراً على تجاوز الأزمات، وعلى إعادة ترتيب أولوياته بطريقة أكثر نضجاً، وعلى بناء منظومات تعليمية وتنموية تستجيب للتحولات بدلاً من أن تتفاجأ بها.

هذا يعيدني لمشاركة سمو وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان في "منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي" قبل عدة أيام، فهو يعتبر أحد أهم اللاعبين الدوليين المؤثرين في الحرب الأخيرة نتيجة لدور المملكة الأساسي في استقرار سوق الطاقة العالمي؛ لكنه في الوقت نفسه يحمل هم المسؤولية الفردية كمواطن سعودي بلاده تواجه مخاطر حقيقية وهم المسؤولية الجماعية كمسؤول يفترض أن كل كلمة تصدر عنه تؤثر على الجميع. لذلك عندما قال إن الصمت هو رد بحد ذاته أو كما يقول العرب "الصمت أبلغ من الكلام" كان يعكس عقلا تخطيطيا ليس بالضرورة أن يحدث جلبة عالية، بل فعلا عميقا مؤثرا على المدى الطويل.

وهذا المثال يختصر جوهر التخطيط العميق: أن تكون الكلمة محسوبة، وأن يكون الصمت قراراً واعياً، وأن يدرك المسؤول أن أثر فعله لا يُقاس بضجيجه، بل بقدرته على تشكيل مسار طويل المدى. فالصمت هنا ليس انسحاباً، بل حضوراً من نوع آخر، حضوراً يقرأ اللحظة بدقة، ويوازن بين ما يجب قوله وما يجب تركه للزمن كي يكشفه.

إن الحرب، رغم قسوتها، أعادت طرح سؤال التخطيط بوصفه ثقافة لا وثيقة، وبوصفه وعياً لا إجراء، وبوصفه مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد ولا تنتهي عند حدود الدولة.. والمجتمع الذي يتعلم كيف يخطط، وكيف يستشرف، وكيف يوازن بين المسؤولية الفردية والجماعية، هو المجتمع الذي يستطيع أن يحمي استقراره، وأن يبني مستقبله، وأن يواجه العواصف بثبات لا يتزعزع. وفي لحظة إقليمية مضطربة، يصبح التخطيط، بمعناه العميق، ليس خياراً، بل ضرورة وجودية تحدد شكل الغد، وتمنحنا القدرة على أن نكون جزءاً من صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين له.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط