لأننا لا نعرف..
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
ليس كل العلاقات التي تراها بعينيك بين الرجال والنساء كأزواج، وبين الأخوة والأخوات وبين الأصحاب، هي كما تراها فعلاً، فعيوننا جزء من أجسادنا، وأجسادنا كتلة هائلة من الإمكانات والطاقة الجبارة، لكن جسد الإنسان محكوم بالضعف والمحدودية كذلك، وفي أحكامنا على العلاقات والسلوكيات والبشر الذين نتعامل معهم، نكون محكومين غالباً بهذا الضعف.
فنطلق أحكامنا من خلاله، ومن خلال علمنا المحدود جداً ومعرفتنا الضيقة بالآخر، حتى لو كان هذا الآخر زوجاً أو أماً أو أخاً أو صديقاً، فنحن في النهاية لا نعرف الآخرين، أو لا نعرف كل ما يتعلق بهم، الإنسان كائن مجهول، وما يخفيه أكثر مما يظهره، ومن هنا يأتي قصور الحكم عليه، وغالباً عدم دقته.
يتفاجأ معظمنا بردات فعل صديقه في موقف ما، في السفر مثلاً، أو عند المِحن، أو بعد أن نلتقي بشخص كنا نعرفه في سنوات بعيدة، فيستقر في بالنا أنه هو نفسه ذلك المراهق الذي تربينا معه قبل أن يغادرنا للدراسة ويغيب ما يزيد على سبع سنوات، دون أن نفكر في السؤال عما حدث له طيلة هذه السنوات، ماذا فعلت به الغربة؟ ماذا غيرت فيه السنوات وتحولات العمر والنضج ومرور البشر وصدمات الحياة؟
ونتفاجأ بأن نجده قاسياً أو جامداً وغير متفاعل، أو بخيلاً أو حساساً أكثر مما يقتضيه الحال! ونتفاجأ بأن نجده غير مرتب أو لا علاقة له بالأناقة أو التهذيب...
الحقيقة التي لا ننتبه لها، هي أن الأيام لا تغيرنا فقط، إنها تعيد إنتاجنا كما تعيد الآلات تصنيع أوراق الشجر قبل أن تتحول إلى مواد وأشياء لا تمت بصلة لا شكلاً ولا مضموناً لورق الشجر! كنت أستمع إلى سيدة تحكي عن رجل تعرفه جيداً، لكنها بعد سنوات بعيدة، حين التقت به، تعجبت حين طلب من والدته ثمن خبز طلبت منه أن يحضره لها..
نحن لا نتغير بمرور الزمن فقط، ولكن بمرور البشر أيضاً، وبكل جرح يتركونه فينا، لكننا نمتلك القدرة على تغطية تلك الجروح والمضي قدماً في الحياة، ولكن بأية قلوب ونفوس نمضي، بتلك الوجوه التي ترسم الابتسامة، أم تلك التي تئن وحيدة في الممرات الخالية؟ لهذا تبدو الأحكام الجاهزة جائرة، ودليل جهل غالباً!
نقلا عن "البيان"