أفتوني أيها الأطباء

فهد مطلق العتيبي
فهد مطلق العتيبي
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
3 دقائق للقراءة

أعادت قصة جراح القلب المزوّر الذي كان مفصولا من كلية الألسن طرح سؤال قديم يتجنب كثيرون -لا سيما الأطباء- الاقتراب منه، وهو: من الذي يصنع الأطباء: الجامعات أم الخبرة؟ لقد بُني الطب الحديث على سلطة الشهادة الأكاديمية حتى أصبحت الشهادة في نظر المجتمع مرادفة للكفاءة، ما جعل بعض الأطباء يدخلون سباقا محموما نحو جمع أكبر عدد منها، لكن ظهور حالات لأشخاص مارسوا الطب سنوات طويلة دون مؤهلات رسمية يفرض مراجعة لمثل هذا التصور.

فالمريض لا يشفى بسبب ورقة الطبيب التي تتزين بها جدران عيادته، بل بسبب التشخيص الصحيح والمهارة في العلاج والقدرة على اتخاذ القرار المناسب.

بل إن تاريخ الطب نفسه يقدم مفارقة لافتة؛ فمعظم الأطباء الذين أسسوا التراث الطبي الإنساني لم يتخرجوا من كليات طب بالمعنى الحديث سواء في العالم اليوناني القديم، أو حتى في تراثنا كالرازي وابن سينا، فقد كانوا نتاج مدارس علمية وتجارب عملية طويلة، ولم تكن هناك هيئات اعتماد أو تراخيص بالصيغة التي نعرفها اليوم، ومع ذلك أسهموا في بناء المعرفة الطبية التي استفادت منها البشرية قرونًا طويلة.

كما أن الطب الشعبي، رغم ما يتعرض له من ازدراء أحيانًا، احتفظ بخبرات تراكمية هائلة اكتسبها الناس عبر مئات السنين من الملاحظة والتجربة. وكثير من النباتات والعلاجات التي دخلت المختبرات الحديثة كانت في الأصل جزءًا من الممارسات الشعبية قبل أن يعاد اكتشافها علميًا. والمشكلة أن الطب الحديث كثيرًا ما ينظر إلى المعرفة الشعبية بوصفها منافسًا غير شرعي، لا بوصفها خزانًا للخبرات الإنسانية. وقد أدى ذلك إلى نشوء فجوة بين المعرفة المؤسسية والمعرفة المتوارثة، فبدل أن يُسأل: هل هذا العلاج ناجح أم لا؟ أصبح السؤال أحيانًا: هل صدر من مؤسسة معترف بها؟

وهذا لا يعني أن كل طب شعبي صحيح، ولا أن كل شهادة طبية بلا قيمة، لكنه يعني أن الخبرة العملية تظل عنصرًا أساسيًا في تكوين الطبيب، وأن احتكار المعرفة باسم المؤسسات قد يحجب أحيانًا أشكالًا أخرى من الفهم والتجربة.

لقد كشفت قصة الطبيب المزوّر هشاشة الاعتقاد أن الشهادة وحدها دليل الكفاءة.. فالعبرة في النهاية ليست بما يحمله الإنسان من أوراق، بل بما يمتلكه من معرفة حقيقية وقدرة عملية على تحقيق النتائج. نعم الطب الحديث يستند إلى تجارب سريرية ومنهجية تحقق ومساءلة لا تتوافر عادةً في الطب الشعبي، إلا أن الخبرة العملية تبقى عنصرًا لا غنى عنه في أي ممارسة طبية، وربما كان السؤال الأكثر إزعاجًا هو: كم من أصحاب الشهادات الذين يمارسون الطب بكفاءة أقل من بعض أصحاب الخبرة الذين لم يحصلوا عليها؟ أفتوني أيها الأطباء.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط