المرأة عند العرب

ملحة عبدالله
ملحة عبدالله
نشر في: آخر تحديث:
وضع القراءة
100% حجم الخط

استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي

0:00
5 دقائق للقراءة

حينما نتحدث عن تاريخ النساء في الجزيرة العربية، فإننا نتناول ذلك بعد البحث والتدقيق في مراجع تاريخية، ووثائق ومخطوطات، كانت جميعها توثق لتاريخ وضع المرأة العربية في العصور الوسطى، التي كانت فيها المرأة تغرق في الظلم والقهر والامتهان في أوروبا. ولذلك كان لزاما الرجوع إلى هذا التاريخ المفترى عليه في بعض الأمور، ذلك لأن الشخصية العربية تفرض سلطانها على كل السلوك العربي ذاته، فالشخصية العربية تتكون تبعاً لظروف البيئة والعادات والتقاليد والأعراف، وبما لديها من المروءة، النخوة، الشهامة، والغيرة على العِرض والنساء.

وللمرأة شأن يقدره العرب، فعندما ننظر إلى فصل سيدات العرب في كتابنا (الجزيرة العربية، الهوية المكان والإنسان)، فسنتبين علو مكانتها، ورفعة شأنها حتى أن القبيلة تُسمى باسمها مثل بني عاتكة، وبني بِسة، وبني ثعلبة وبني مرة.. إلخ.

كما أنهم لا يذكرون المرأة في غيابها بما يسيء إليها، يقول ويلفريد ويثسغنر في هذا الشأن: "انهمك الجميع في القيام بأعمال فردية، ثم تطرق الحديث إلى الغزوات في الصحراء ومنها إلى موضوعات أخرى كالسحر والختان والأعراس إلا أنهم لم يتحدثوا أبداً عن الجنس أو عن المرأة"، ثم يقول في موضع آخر: "إذا تكلم العربي عن النساء كان كلامه حيوياً وصريحاً، ولكنه غير بذيء".

ويتجنب الرجل الحديث عن المرأة في مجالسه ويعتبره خرقاً للمروءة، فتجنب الحديث عنها ليس لأنه يحلم بالطعام كما قال ويثسغنر، وإنما لرفعة قيمة الشرف الذي تحمله المرأة؛ شرف الرجل وشرف العائلة ثم شرف القبيلة.

وفي الجزيرة العربية، كانت المرأة في البادية تختلف عنها في الحاضرة.. ففي الحاضرة تمتاز المرأة عن امرأة البادية بالحجاب الكثيف، فالنساء يُمدحن بملازمتهن البيوت، وقلّة خروجهن منه، إلا للضرورة القصوى، كزيارة الأقارب، وعيادة المرضى، ولا يكون ذلك غالباً إلا في الليل.

كما أن الرجل لا يعتدي على المرأة ولا يهينها، كما يصور ذلك الغرب في أبحاثهم وندواتهم إلا فيما ندر، وذلك لأن هناك شيماً تحتقر من يهين المرأة أو يضربها، وخارق هذه الشيم يسمى "عديم المروءة"، وللمروءة سلطانها على أبناء القبائل قد تصل إلى عدم قبول شهادته أمام القضاء.

يقول كتاب رمال الصحراء لكاتبه ويثسغنر "يعتقد الشعب الإنجليزي، خطأ، أن نساء العرب يعشن وكأنهن في سجون، وإذا صح هذا بالنسبة للنساء في المدن فإنه غير صحيح بالنسبة لنساء البدو، فمن المستحيل أن يسجن رجل امرأته وهما يعيشان في ظل شجرة أو داخل خيمة مفتوحة على الدوام من أحد جوانبها. كما أن الرجل البدوي يطلب من امرأته أن تعاونه، فتحطِّب وتحضر الماء من البئر وترعى الماعز، بل إن البدوية إذا رأت من زوجها إهمالاً تركته إلى أهلها ويضطر إلى استرضائها كي تعود معه".

والمرأة كانت في بعض حواضر الخليج تشتغل بالبيع، وتقابل الضيوف إذا ما كان زوجها غائباً، وتعمل في الحقول جنباً إلى جنب مع الرجل، وكان الرجال يحفظون لها كرامتها ورفعتها، فلا ينظر إليها رجل بنظرة دنيئة.. أما في البادية فليس هناك إلا أثر ضعيف للحجاب فيما سبق، فالبدوية كانت تشارك الرجل في كل شيء حتى في الغزو، وتجد البدوي يصطحب نساءه في الأسواق، حتى أسواق الحاضرة، فتراه يتأبطهن في الحاضرة، كما يفعل الغربيون، ويشترك البدوي والبدوية في الشراء والبيع والمشي، دون أن يكون عنده أدنى اكتراث.

وعن تحمل الآلام والمبالغة في إظهار القوة، فإن المرأة، حين تعاني عُسر الولادة بمفردها -وإذا ما اضطرتها الظروف تبتعد مع غنمها في المرعى، أو مع فأسها في المحتطب، أو أي ظروف أخرى- نجدها تلد وحيدة منفردة وتعمل لنفسها جميع الإسعافات الأوليّة، وتُقبل آخر النهار حاملة طفلها في يدها وهاشة غنمها بيدها الأخرى.

فمن العار والويل لمن ترفع عقيرتها بالصراخ حين تلد ذلك يُسبّب لها ولأهلها العار، يقول سمير عبدالرازق في كتابه القبائل العربية: "سألت من حولي من البدو كيف تعاني المرأة من آلام الولادة، ولا يند لها صوت، ولا تسمع لها أنَّة ألم؟ فقالوا: إنه من العار عندهم، أن يرتفع صوت المرأة مهماً عَانت من آلام الولادة، فإن ذلك يؤذي أباها وإخوتها وأهلها، ويجلب لهم العار بين أهل الحي". ومن هنا كانت المرأة العربية تتجنب الصراخ وآهات الألم، منعاً للعار، وحفاظاً على الكرامة أهلها، شأنها شأن "الثلاّبة" أي المخاتين، الذين رأيناهم وطقوسهم في حفلات الهود، فالمختون يلحق العار بخاله وأهل أمه إذا ما اهتز أو تألم لحظة الختان، رغم كِبر سنّه، الذي يصل أحياناً إلى سن الثلاثين، ورغم صعوبة عملية الختان نفسها.. إذ إنها تتم بدون تخدير، وتتسع مساحة الختان إلى أن تشمل أجزاء كبيرة من جسمه، كما أن المتفرجين على عملية الختان.. أغلبهم من الفتيات والنساء داخل حفلة الهود، ليروا من هو أكثر الفتيان تحملاً للألم، إذا كانت إحداهن ترغب في الزواج منه.. فتحمّل الألم من شيم العرب سواء كان رجلا أم امرأة.

نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
انضم إلى المحادثة
الأكثر قراءة مواضيع شائعة

تم اختيار مواضيع "العربية" الأكثر قراءة بناءً على إجمالي عدد المشاهدات اليومية. اقرأ المواضيع الأكثر شعبية كل يوم من هنا.

  • وضع القراءة
    100% حجم الخط